فن وثقافة

سوسيولوجيا إعادة ترتيب الزمن السياسي في المغرب: من “جمعة الاقتراع” إلى “أربعاء الانتخابات”

د. هشام بوقشوش/ باحث في علم الاجتماع

إن تغيير يوم التصويت من يوم الجمعة إلى يوم آخر من أيام الأسبوع في مسار الانتخابات المغربية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد تعديل تقني في الرزنامة الانتخابية أو قرارا إجرائيا يتعلق بتدبير مكاتب الاقتراع، وإنما يمكن النظر إليه، من منظور سوسيولوجي، باعتباره لحظة كاشفة عن تحولات أعمق في علاقة الدولة بالزمن، وفي علاقة السياسة بالرمز، وفي الطريقة التي يعاد بها تنظيم الطقوس الانتخابية داخل المجتمع المغربي.

فالزمن ليس محايدا في المجتمعات، ولا يمثل مجرد تعاقب آلي للأيام، وإنما هو بناء اجتماعي وثقافي ورمزي تتقاطع داخله الذاكرة والعادات والدين والعمل والأسرة والمؤسسات. ومن هذه الزاوية، فإن الانتقال من الجمعة إلى يوم آخر يعني، في أحد أبعاده، إعادة ترتيب العلاقة بين الزمن الديني والزمن السياسي والزمن الإداري، ويكشف عن انزياح تدريجي من زمن يحمل كثافة رمزية واجتماعية إلى زمن أكثر اندراجا في منطق التنظيم والوظيفة واللوجستيك.

فالجمعة في المجتمع المغربي ليست مجرد وحدة زمنية في التقويم الأسبوعي، وإنما تمتلك شخصية اجتماعية ورمزية خاصة، بحكم ارتباطها بالصلاة الجماعية، وبالأسرة، وبالاجتماع، وبالذاكرة الدينية، وبعادات غذائية وثقافية متوارثة، وعلى رأسها الكسكس في كثير من البيئات الاجتماعية.

ولذلك، فإن الانتخابات حين كانت تجرى يوم الجمعة لم تكن تقع فقط داخل يوم من أيام الأسبوع، وإنما كانت تتقاطع مع يوم ذي حمولة رمزية عالية، بحيث يصبح التصويت جزءاً من إيقاع اجتماعي أكثر كثافة. أما عندما ينتقل الاقتراع إلى يوم آخر، فإن السياسة الانتخابية تنفصل، ولو جزئيا، عن هذا الزمن الرمزي لتدخل في زمن أكثر حيادا من الناحية الدينية وأكثر انسجاماً مع دورة العمل والإدارة والمدرسة والخدمات.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن الدولة تتخلى عن الرمزية الدينية أو أنها تسعى إلى فصل السياسة عن الدين، لأن الدولة المغربية نفسها تستمر في إنتاج طقوس سياسية ذات حمولة رمزية ودينية قوية، كما أن الجمعة تحتفظ بموقع دستوري وطقوسي في افتتاح الدورة الأولى للبرلمان. إن المسألة الأدق سوسيولوجيا هي أن الدولة تعيد توزيع وظائف الرمزية داخل المجال السياسي: تحتفظ بالجمعة في بعض الطقوس السياسية العليا، بينما يمكن أن تختار يوما آخر حين يتعلق الأمر بتدبير العملية الانتخابية في بعدها التنظيمي واللوجستي.

ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«إعادة هندسة الزمن السياسي». فالدولة الحديثة لا تدير فقط المؤسسات والأشخاص والقوانين، وإنما تدير الزمن أيضا؛ تحدد متى يبدأ الاقتراع، ومتى ينتهي، ومتى تتحرك الإدارة، ومتى يلتقي الموظفون، ومتى تفتح المكاتب وتغلق، ومتى تبدأ عملية الفرز وإعلان النتائج. وبالتالي فإن اختيار يوم التصويت هو في حد ذاته فعل من أفعال السلطة التنظيمية، لأن الدولة لا تحدد فقط قواعد المشاركة السياسية، وإنما تحدد كذلك الزمن الذي تتم داخله هذه المشاركة.
وإذا كان يوم الجمعة يحمل في الوعي الاجتماعي المغربي معنى يتجاوز وظيفته الزمنية، فإن الانتقال إلى يوم وسط الأسبوع يعكس، في أحد أوجهه، انتقالا من «الزمن الاجتماعي الكثيف» إلى «الزمن الوظيفي»، أي من زمن تتداخل فيه السياسة مع الطقس والعائلة والدين والعادات، إلى زمن تصبح فيه الانتخابات أكثر قربا من مفهوم العملية الإدارية المنضبطة.
ومن منظور دوركايمي، يمكن القول إن الزمن الاجتماعي ليس مجرد إطار خارج المجتمع، بل هو أحد أشكال التنظيم التي ينتج المجتمع من خلالها تمثلاته الجماعية. ولذلك فإن تغيير اليوم يمكن أن يغير، ولو تدريجيا، بعض المعاني المرتبطة بالحدث الانتخابي. فالانتخابات التي تقع في يوم الجمعة يمكن أن تستقبل اجتماعيا باعتبارها حدثا استثنائيا داخل يوم استثنائي، بينما الانتخابات التي تقع في يوم عادي من أيام العمل قد تصبح أكثر شبها بعملية مؤسساتية منتظمة.

هنا ينتقل معنى الانتخابات من «الحدث» إلى «الإجراء»، ومن «المناسبة» إلى «العملية»، ومن «الطقس» إلى «التنظيم». ولا يعني ذلك أن الانتخابات تفقد طابعها الطقوسي بالكامل، وإنما يعني أن الطقس نفسه يخضع لعملية إعادة تنظيم وعقلنة.

وإذا انتقلنا من الزمن إلى الطعام، فإننا نجد أن التحول يصبح أكثر دقة وأكثر إثارة من الناحية السوسيولوجية. فالانتقال من الكسكس أو الأكل الجماعي إلى الوجبات الفردية والسريعة، إذا أخذناه بوصفه اتجاها في تدبير وجبات القائمين والمشرفين على مكاتب التصويت، ليس مجرد تغيير في نوعية الغذاء، بل يمكن أن يكون مؤشراً صغيراً على تحول كبير في فلسفة التنظيم. فالطعام في الثقافة المغربية ليس مجرد مادة غذائية، وإنما هو علاقة اجتماعية، ووسيلة للضيافة، وإنتاج للألفة، وتأكيد للجماعة، وتبادل للرموز. والكسكس، في هذا السياق، لا يمكن اختزاله في طبق؛ إنه في كثير من التمثلات المغربية مائدة جماعية، وفضاء للقاء، ووسيلة لتجسيد المشاركة، بل إن المائدة نفسها تتحول إلى مجال مؤقت لإعادة إنتاج الجماعة.

أما الوجبة الفردية الجاهزة والسريعة فتشتغل وفق منطق آخر: السرعة، الفردنة، سهولة التوزيع، الاقتصاد في الزمن، وضبط الموارد. الفرد يحصل على وجبته، يستهلكها، ثم يعود إلى موقعه الوظيفي. لا تحتاج العملية بالضرورة إلى مائدة مشتركة أو إلى طقس اجتماعي طويل. وهنا يصبح الطعام مرآة للتحول المؤسساتي؛ إذ ننتقل من «المائدة» إلى «العبوة»، ومن «المشاركة» إلى «الخدمة»، ومن «الضيافة» إلى «اللوجستيك»، ومن «الزمن المشترك» إلى «الزمن المحسوب».

إن ما يبدو تفصيلا صغيرا في طريقة إطعام الموظفين والقائمين على مكاتب التصويت يمكن أن يكشف عن انتقال في تصور المؤسسة ذاتها: لم يعد المطلوب بالدرجة الأولى إنتاج علاقة اجتماعية بين العاملين، وإنما ضمان استمرارية الخدمة بأكبر قدر من التنظيم والسرعة والاقتصاد في الوقت.

وهنا يمكن أن نستدعي بورديو لفهم ما يحدث على مستوى الهابيتوس الإداري. فالمؤسسات لا تغير فقط القوانين والإجراءات، وإنما تعيد إنتاج عادات جديدة في الأجساد وفي طرق التصرف وفي تصور العمل. الموظف الذي كان يعيش يوم الاقتراع باعتباره يوما استثنائيا يجتمع فيه مع آخرين ويتقاسم معهم الطعام والحديث والانتظار، يكتسب تدريجيا صورة مختلفة عن هذا اليوم عندما يصبح العمل أكثر فردنة، والوجبة أكثر سرعة، والإجراءات أكثر دقة، والزمن أكثر انضباطا.
وبذلك لا يتغير التنظيم الخارجي فقط، وإنما تتغير معه طريقة الإحساس بالمؤسسة وطريقة عيشها. إن العقلنة لا تدخل إلى الإدارة عبر النصوص والقوانين وحدها؛ إنها تدخل أيضاً عبر المائدة، والساعة، والحركة، وطريقة الأكل، وتنظيم الجسد.

ومن منظور فوكو، يمكن الذهاب أبعد من ذلك بالقول إن الدولة لا تدير الانتخابات فقط، وإنما تدير «أجساد العملية الانتخابية» أيضا. فالانتخاب يحتاج إلى موظفين، وأعوان، ورؤساء مكاتب، ومراقبين، وأشخاص يتحركون داخل فضاءات محددة ووفق أزمنة محددة. وكلما ازداد التنظيم دقة، أصبحت أجساد هؤلاء الفاعلين جزءا من عملية الضبط المؤسسي: متى يصلون، متى يستريحون، متى يأكلون، أين يتحركون، ومتى يعودون إلى وظائفهم. ولذلك يمكن النظر إلى الوجبة الفردية بوصفها جزءا من اقتصاد جديد للزمن والجسد؛ فهي لا تقدم فقط الغذاء، وإنما تختصر الوقت وتقلل الحاجة إلى تنظيم المائدة وتضمن عودة الفرد سريعا إلى موقعه. وهنا يصبح الطعام جزءا من «تقنيات الإدارة»، وليس مجرد خدمة مرافقة لها.

لكن هذه التحولات لا ينبغي أن تقرأ في اتجاه واحد، لأن المجتمع لا يستقبلها بالضرورة بالمعنى نفسه الذي تنتجه الإدارة. وهنا تظهر أهمية مفهوم التمثلات الاجتماعية. فقد يمثل تغيير يوم التصويت بالنسبة إلى جهاز الدولة إجراء تنظيميا محضا، بينما قد يراه جزء من المجتمع انزياحا عن عادة انتخابية راسخة، وقد يراه الموظف تغييرا في شروط العمل، وقد يراه الفاعل السياسي مؤشرا على تحول في هندسة العملية الانتخابية، وقد يراه آخرون مجرد اختيار تقني لا يحمل أي دلالة ثقافية. وبالتالي، فالقرار واحد، لكن معانيه الاجتماعية متعددة. وهذه التعددية في المعنى هي التي تجعل الظاهرة جديرة بالتحليل السوسيولوجي.

والأهم أن هذا التحول يكشف عن علاقة مركبة بين ما يمكن تسميته بالدولة الرمزية والدولة التنظيمية. فمن جهة، تستمر الدولة في إنتاج طقوس سياسية شديدة الرمزية، وتظل بعض المناسبات الدستورية والسياسية مرتبطة بالجمعة وبطقوس لها حضور ديني وتاريخي وثقافي. ومن جهة أخرى، تصبح الانتخابات نفسها أكثر خضوعا لمنطق التقييس، والتنميط، والرقمنة، والتوثيق، واللوجستيك، والضبط الزمني.

نحن إذن لسنا أمام انتقال بسيط من «التقليد» إلى «الحداثة»، ولا أمام قطيعة بين الدولة والدين، وإنما أمام تراكب بين أنماط متعددة من ممارسة السلطة؛ طقس رمزي هنا، وإجراء تقني هناك، واستمرارية تاريخية في مستوى، وعقلنة تنظيمية في مستوى آخر.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما يحدث باعتباره «تحديثا انتقائيا للطقس السياسي». فالدولة لا تلغي الرموز، وإنما تعيد توزيعها؛ ولا تتخلى عن الطقوس، وإنما تحدد مواقعها ووظائفها؛ ولا تقطع مع الموروث، وإنما تفصل بعض المجالات الوظيفية عنه عندما تقتضي مقتضيات التنظيم ذلك. ولذلك فإن الانتقال من الجمعة إلى يوم آخر لا ينبغي أن يفسر مباشرة باعتباره تراجعا عن الرمزية الدينية، كما لا ينبغي اعتباره مجرد قرار تقني بلا أي أثر اجتماعي. إنه يقع في منطقة وسطى بين الأمرين، حيث يعاد ترتيب الحدود بين ما هو رمزي وما هو وظيفي، وبين ما هو جماعي وما هو فردي، وبين ما هو طقوسي وما هو إجرائي.

وهنا تظهر إحدى أهم التضادات السوسيولوجية في الظاهرة: الدولة تسعى إلى جعل الانتخابات أكثر قابلية للتنظيم والضبط والقياس، بينما المجتمع لا يعيش الانتخابات بوصفها عملية إدارية فقط. فالانتخابات، في الذاكرة الاجتماعية، هي أيضاً انتظار، ولقاء، وحديث، ومراقبة، وحركة، وطعام، وذاكرة، وسرديات محلية، واحتكاك بين أشخاص ينتمون إلى مواقع اجتماعية مختلفة.

وعندما يجري تقليص هذه الأبعاد لصالح اللوجستيك، قد تصبح العملية أكثر كفاءة من الناحية التنظيمية، لكنها قد تفقد بعض مظاهرها الاجتماعية التي كانت تمنحها طابع «الحدث». وهنا لا يتعلق الأمر بالحكم على التحول بأنه إيجابي أو سلبي، وإنما بفهم الثمن الرمزي والاجتماعي الذي قد يرافق كل عملية عقلنة مؤسساتية.
ومن ثم يمكن القول إن التحول من الكسكس الجماعي إلى الوجبة الفردية يمثل، في مستوى عميق، تحولا من «الجماعة الوظيفية» إلى «الفرد الوظيفي». في الأول، كان العاملون في مكاتب التصويت يظهرون داخل فضاء مشترك، يتقاسمون الطعام والوقت والتعب، فتتشكل بينهم، ولو مؤقتا، علاقات تتجاوز حدود المهمة الرسمية. وفي الثاني، يصبح كل فرد وحدة مستقلة داخل منظومة أكبر: وجبته الخاصة، مهمته الخاصة، موقعه الخاص، وزمنه الخاص. وهذه الفردنة لا تعني بالضرورة تفكك العلاقات الاجتماعية، وإنما تشير إلى أن المؤسسة أصبحت أقل اعتمادا على الروابط الاجتماعية غير الرسمية وأكثر اعتمادا على الإجراءات الموحدة.

ومن هنا يمكن صياغة أطروحة أكثر تركيبا: إننا أمام انتقال تدريجي من «الانتخابات كحدث اجتماعي» إلى «الانتخابات كمنظومة لوجستيكية». وفي هذا الانتقال تتغير ليس فقط مواعيد الاقتراع، وإنما أيضا أنماط الحركة، وأشكال الأكل، وطرق الاستراحة، والعلاقات بين العاملين، وإيقاع العمل، وصورة الموظف عن نفسه وعن المؤسسة. أي أن التحديث الانتخابي لا يجري فوق المجتمع فقط، وإنما يعيد تشكيل بعض التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية للأشخاص الذين يقومون بإنتاج الانتخابات عمليا.

ولعل المفارقة الأعمق أن الدولة، كلما أصبحت أكثر عقلنة وتنظيما، لا تصبح بالضرورة أقل رمزية، وإنما تصبح أكثر قدرة على تحديد المكان الذي تستخدم فيه الرمز والمكان الذي تستخدم فيه الإجراء. وهذا ما يجعل الحالة المغربية مثيرة للاهتمام سوسيولوجيا: يمكن أن تتجاور الملكية الرمزية والعقلنة البيروقراطية، والمرجعية الدينية والتنظيم التقني، والطقس السياسي والرقمنة، والجمعة الدستورية واليوم الانتخابي الوظيفي، والمائدة الجماعية والوجبة الفردية، دون أن يعني ذلك أن أحدها ألغى الآخر. نحن أمام دولة تعيد تركيب القديم والجديد داخل هندسة مؤسساتية واحدة.

وبذلك فإن السؤال السوسيولوجي الأعمق ليس فقط: لماذا تغير يوم التصويت؟ وإنما: أي نوع من الزمن السياسي يجري إنتاجه؟ وأي نوع من العلاقات الاجتماعية يجري إنتاجها داخل العملية الانتخابية؟ وما الذي يحدث عندما تنتقل الانتخابات من يوم ذي كثافة دينية وثقافية واجتماعية إلى يوم أكثر اندماجا في إيقاع العمل والإدارة؟ وماذا يعني أن تنتقل المائدة من فضاء جماعي إلى وجبة فردية؟ وهل نحن أمام مجرد تحديث في أدوات التنظيم، أم أمام تحول أعمق في معنى الجماعة داخل الدولة الحديثة؟

إن قوة هذه الظاهرة تكمن في أنها تجعلنا نقرأ الدولة من تفاصيل تبدو للوهلة الأولى هامشية: من التقويم إلى المائدة، ومن الساعة إلى الجسد، ومن الطعام إلى الحركة، ومن يوم الجمعة إلى يوم العمل. وهنا بالضبط تصبح السوسيولوجيا قادرة على الكشف عما لا يظهر في النصوص القانونية وحدها: فالتحولات الكبرى في الدولة لا تحدث دائما عبر القرارات الكبرى، وإنما قد تظهر أيضا في الطريقة التي تحدد بها الدولة متى ننتخب، وكيف ننتظر، ومتى نأكل، ومع من نجلس، وكيف نتحرك داخل الزمن الانتخابي. ومن ثم يمكن اعتبار الانتقال من «جمعة الاقتراع» إلى «يوم الاقتراع الوظيفي» ومن «الكسكس الجماعي» إلى «الوجبة الفردية» علامتين صغيرتين، لكنهما دالتان، على إعادة تشكيل العلاقة بين الزمن والسلطة والجسد والجماعة والبيروقراطية والرمز داخل الدولة المغربية المعاصرة.

Related Articles

Back to top button