بين النزاهة والسلطة : إعادة تعريف النجاح السياسي في ظل أزمة الثقة


د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
تعد السياسة، في جوهرها، مجالا لإدارة الشأن العام وتحقيق المصلحة الجماعية، غير أن الممارسة السياسية في كثير من السياقات المعاصرة أصبحت محكومة بصراع مركب لا يدور فقط حول البرامج والانتخابات، بل أيضا حول القيم والرموز والمعاني التي تمنح الفاعلين شرعيتهم داخل الحقل السياسي. ومن هنا برزت مفارقة لافتة تتمثل في أن النجاح السياسي لم يعد يقاس دائمًا بمدى الالتزام بالمبادئ، بل كثيرا ما يقاس بالقدرة على بناء شبكات النفوذ، وإدارة التحالفات، والتكيف مع موازين القوة، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم الأخلاقية.
من هذا المنطلق، أخذت تتشكل داخل المجال السياسي سرديات جديدة تعيد تعريف مفهومي النجاح والفشل. فهناك من يعتبر أن الاحتفاظ بالموقع السياسي يقتضي تقديم تنازلات متتالية، تبدأ بتليين المواقف ولا تنتهي أحيانا بالتخلي عن جزء من الاستقلالية الأخلاقية. وفي المقابل، يظهر تصور آخر يرى أن المحافظة على النزاهة، ولو انتهت بخسارة المنصب أو التراجع عن مواقع القرار، تمثل شكلا من أشكال النجاح الأخلاقي الذي يتجاوز المكاسب الظرفية.
ويساعد تصور بيير بورديو للحقل السياسي على فهم هذه الدينامية؛ فالصراع لا يتم فقط حول السلطة، بل حول أشكال مختلفة من الرأسمال. فإلى جانب الرأسمال السياسي المرتبط بالموقع التنظيمي والانتخابي، يوجد الرأسمال الرمزي الذي يتجسد في السمعة والاستقامة والثقة الاجتماعية. وعندما يتراجع الأول، يسعى الفاعل السياسي إلى تعويضه عبر الاستثمار في الثاني، من خلال تقديم نفسه باعتباره فاعلا حافظ على استقلاله الأخلاقي ورفض تحويل المسؤولية العمومية إلى وسيلة للإثراء أو توسيع النفوذ الشخصي.
وفي هذا السياق، يصبح المنصب العمومي امتحانا أخلاقيا أكثر من كونه امتيازا إداريا. فهو يضع صاحبه أمام إغراءات متعددة، حيث تتقاطع السلطة مع المصالح الاقتصادية، وتتشابك المسؤولية مع شبكات الزبونية، ويصبح القرار العمومي مجالا للتفاوض المستمر بين الواجب الأخلاقي ومنطق المنفعة. لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيفية الوصول إلى السلطة، وإنما بكيفية ممارستها، وحدود ما يمكن أن يقدمه الفاعل السياسي من تنازلات من أجل البقاء داخلها.
ومن زاوية سوسيولوجية، لا ينبغي اختزال هذه الإشكالية في بعدها الفردي، لأن الفساد أو النزاهة ليسا مجرد خصائص شخصية، بل هما أيضا نتاج لبنيات اجتماعية وثقافات سياسية وأنماط من تنظيم الحقل السياسي.
فحين تصبح شبكات الولاء والوساطة والزبونية أكثر فاعلية من الكفاءة والاستحقاق، تتحول الممارسة السياسية إلى سوق للمصالح، ويغدو الالتزام الأخلاقي خيارا مكلفا قد يؤدي إلى التهميش أو الإقصاء.
ويكشف هذا الواقع عن مفارقة أخرى؛ إذ كثيرا ما يغادر بعض الفاعلين مواقع المسؤولية وقد راكموا ثروات ومصالح وامتيازات يصعب تفسيرها بمداخيلهم الرسمية، بينما يغادر آخرون وهم يحملون الرصيد نفسه الذي دخلوا به، أو أقل منه، بعد أن استنزفتهم كلفة الاستقامة والصراع مع شبكات النفوذ. وهنا يصبح الفرق بين المسارين ليس في حجم السلطة التي امتلكها كل طرف، بل في طبيعة العلاقة التي أقامها مع السلطة ذاتها: هل كانت وسيلة لخدمة المصلحة العامة أم موردا لتحقيق المنفعة الخاصة؟
ومن منظور ماكس فيبر، تقوم السياسة على توتر دائم بين “أخلاق الاقتناع” و”أخلاق المسؤولية”. فالممارسة السياسية تفرض اتخاذ قرارات معقدة لا يمكن أن تدار بالشعارات وحدها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تنفصل كليًا عن المبادئ. وعندما يميل هذا التوازن لصالح البراغماتية المطلقة، تتحول السياسة إلى تقنية لإدارة المصالح، وتفقد بعدها الأخلاقي الذي يمنحها مشروعيتها داخل المجتمع.
كما أن تصاعد الخطابات التي تجعل من النزاهة محورا رئيسيا للشرعية يعكس أزمة أعمق في العلاقة بين المجتمع والسياسة. فوفقا لتحليلات أولريش بيك وزيغمونت باومان، تؤدي هشاشة الثقة بالمؤسسات إلى انتقال مركز الشرعية من التنظيمات إلى الأشخاص، ومن الإنجازات المؤسساتية إلى السمعة الفردية. لذلك أصبحت السيرة الشخصية، والنظافة المالية، والاستقلالية الأخلاقية، موارد رمزية لا تقل أهمية عن الرصيد الانتخابي أو النفوذ التنظيمي.
وفي المقابل، فإن السوسيولوجيا تدعو إلى التعامل النقدي مع كل الخطابات الأخلاقية، لأنها بدورها تدخل ضمن الصراع على الشرعية داخل الحقل السياسي. فإعلان التمسك بالمبادئ أو رفض الإثراء لا يمكن أن يقرأ فقط بوصفه موقفا أخلاقيا، بل أيضا باعتباره ممارسة رمزية تهدف إلى إعادة بناء الثقة واستقطاب الاعتراف الاجتماعي. فالفاعلون السياسيون لا يتنافسون على السلطة فحسب، بل يتنافسون كذلك على تعريف من هو السياسي “الناجح” ومن هو السياسي “الفاشل”.
إن الأزمة الحقيقية التي تكشفها هذه المفارقة ليست أزمة أفراد، وإنما أزمة نموذج سياسي أصبح النجاح فيه، في كثير من الأحيان، يقاس بما يحققه الفاعل لنفسه أكثر مما يحققه للمجتمع. وعندما تصبح النزاهة استثناء بدل أن تكون قاعدة، وينظر إلى الاستقامة باعتبارها سذاجة، بينما يقدم التكيف مع شبكات المصالح باعتباره ذكاء سياسيا، فإن الخلل لا يكمن في الأشخاص وحدهم، بل في البنية التي تعيد إنتاج هذه المعايير.
وفي النهاية، فإن المجتمعات الديمقراطية لا تبنى فقط على تداول السلطة، بل على تداول الثقة أيضا. والثقة لا تنشأ من كثرة الخطابات، ولا من حجم الإنجازات المعلنة، وإنما من قدرة الفاعل السياسي على الحفاظ على التوازن بين الكفاءة والنزاهة، وبين المسؤولية والمبدأ، وبين النجاح السياسي والنجاح الأخلاقي.
فالموقع السياسي يزول، أما الرأسمال الرمزي الذي يبنيه الإنسان من خلال استقامته ومصداقيته فيبقى أحد أهم أشكال الاعتراف الاجتماعي، ويشكل أساسا لشرعية تتجاوز حدود المنصب والزمن السياسي.



