حين يصبح الجسد النسائي ساحة للصراع الرمزي
انتقائية الدفاع عن المرأة وحدود الحقوق في المجال العمومي


د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
لا تكشف صور العنف الموجه ضد النساء المشاركات في الاحتجاجات الاجتماعية عن مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء في تدبير النظام العام، بل تفتح الباب أمام مساءلة أعمق لبنية السلطة داخل المجتمع، وللكيفية التي يعاد بها تعريف “المرأة المقبولة” و”المرأة المرفوضة” وفق منطق سياسي ورمزي يتجاوز قضية المرأة في حد ذاتها. فالمجتمع لا يتعامل مع جميع النساء بالمنطق نفسه، وإنما يميز بين نماذج مختلفة من الأنوثة، يمنح بعضها الاعتراف والشرعية، بينما يحاصر بعضها الآخر بالتهميش أو التشويه أو القمع.
من منظور سوسيولوجيا الهيمنة، كما صاغها بيير بورديو، لا تمارس السلطة سيطرتها فقط عبر أدوات العنف المادي، وإنما أيضا عبر إنتاج التصنيفات الاجتماعية التي تحدد من يستحق الاعتراف ومن يستحق الإقصاء. فالمرأة التي تنسجم مع المنظومة الإعلامية والاستهلاكية تصبح قابلة للاحتفاء بوصفها “مؤثرة” أو “نموذجا للنجاح”، بينما تتحول المرأة التي تحتل الفضاء العمومي للمطالبة بحقوق اجتماعية أو اقتصادية أو للتعبير عن موقف سياسي إلى فاعل مزعج يهدد انتظام المجال السياسي، فيصبح جسدها ذاته موضوعا للضبط والسيطرة.
وفي هذا السياق، لا يكون التدخل الأمني مجرد إجراء لضبط الاحتجاج، بل يتحول إلى رسالة رمزية موجهة إلى المجتمع بأسره مفادها أن المجال العمومي ليس فضاء مفتوحا بالتساوي أمام جميع أشكال التعبير. هنا يستعيد الجسد النسائي وظيفته التاريخية باعتباره أحد أهم مواقع ممارسة السلطة، وهو ما يجعل العنف الموجه ضد النساء المحتجات يتجاوز الأشخاص المعنيين ليؤدي وظيفة ردعية تطال المجتمع كله، عبر بث الخوف وإعادة إنتاج حدود المسموح والممنوع.
ويقدم ميشيل فوكو إطارا تفسيريا مهما لفهم هذه الآليات، حين يبين أن السلطة الحديثة لا تعتمد فقط على العقاب المباشر، بل تنتج أجسادا مطيعة عبر المراقبة والانضباط والتأديب. وفي لحظات الاحتجاج، يصبح استعمال القوة ضد النساء جزءا من تكنولوجيا السلطة التي تسعى إلى إعادة إخضاع الأجساد المتمردة وإعادة إدماجها داخل النظام القائم، بما يجعل العنف أداة لإنتاج الطاعة أكثر منه مجرد رد فعل على مخالفة قانونية.
وفي المقابل، يطرح الصمت الانتقائي لبعض الفاعلين المدنيين إشكالا آخر يتعلق بما يمكن تسميته بـ”انتقائية الحقوق”. فالدفاع عن المرأة يفقد شموليته عندما يصبح مرتبطا بهوية الضحية أو بطبيعة القضية التي تدافع عنها أو بموقعها داخل الخريطة السياسية. وهنا تتحول حقوق الإنسان من مبدأ كوني إلى رأسمال رمزي يخضع لمنطق الاصطفاف والإيديولوجيا. فالحقوق، من منظور سوسيولوجي، تفقد معناها عندما تصبح انتقائية، لأن معيارها ينبغي أن يكون الإنسان لا الموقف الذي يحمله.
كما تكشف هذه الوقائع عن أزمة أعمق تعيشها الوسائط المدنية ذاتها. فقد أصبح جزء من الفعل الجمعوي، في كثير من السياقات، محكوما بمنطق التمويل والتموقع والشراكات أكثر من ارتباطه بوظيفته الأصلية باعتباره قوة مجتمعية مستقلة للدفاع عن الحقوق. لذلك فإن الصمت في بعض القضايا لا يمكن فهمه فقط باعتباره موقفا أخلاقيا، بل هو أيضا نتاج لبنية من الاعتماد المؤسسي تحد من استقلالية الفاعلين المدنيين وتعيد تشكيل أولوياتهم.
ومن زاوية أخرى، فإن توظيف رجال في مواجهة نساء محتجات لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد توزيع وظيفي للأدوار، بل باعتباره تجليا للعنف المؤسسي الذي يجعل الأفراد أدوات لتنفيذ منطق السلطة بغض النظر عن قناعاتهم الشخصية. وهنا تبرز أطروحة ماكس فيبر حول البيروقراطية التي تحول الموظف إلى منفذ للقواعد أكثر من كونه فاعلا أخلاقيا، كما تحضر فكرة حنة آرندت حول “اعتيادية الشر”، حيث يمكن أن يصبح العنف ممارسة يومية عادية عندما ينفصل الفاعل عن مسؤوليته الأخلاقية ويختزل دوره في تنفيذ الأوامر.
غير أن المجتمع لا يقاس فقط بطريقة تعامله مع الفئات المنسجمة مع السلطة، وإنما بقدرته على حماية الحق في الاختلاف والاحتجاج والتعبير السلمي. فالفضاء العمومي، وفق تصور يورغن هابرماس، لا يكتسب معناه إلا عندما يكون مجالا للنقاش الحر والمشاركة المتساوية، لا فضاء لإقصاء الأصوات المخالفة أو إخضاعها بالقوة.
إن التضامن مع العاملات أو مع المحتجين أو مع أي فئة تتعرض لانتهاك حقوقها لا ينبغي أن يكون موقفا سياسيا ظرفيا، بل تعبيرا عن مبدأ دستوري وأخلاقي يقوم على صون الكرامة الإنسانية. فالدولة الحديثة لا تستمد مشروعيتها من قدرتها على احتكار القوة فحسب، وإنما من قدرتها على ممارستها في إطار القانون واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين.
بالمجمل، فإن المجتمع الذي يسمح بأن يتحول الاحتجاج السلمي إلى مناسبة لإنتاج العنف أو التشهير أو الوصم، إنما يراكم عناصر أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع. وحين تصبح المطالبة بالحق محفوفة بالخوف، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بمطلب اجتماعي أو مهني بعينه، بل تمس طبيعة العقد الاجتماعي نفسه، ومدى قدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين حفظ النظام وصيانة الحرية، وبين سلطة الدولة وكرامة المواطن.



