مجتمع

لفراقشية والإعفاء الجمركي.. هل حان وقت الإبراء السياسي؟

بقلم: محمد العايدي الإدريسي

هناك ملفات تنتهي بانتهاء الحدث، وهناك ملفات ينتهي حدثها، لكن تبقى مسؤوليتها قائمة وملف استيراد الأغنام بمناسبة عيد الأضحى واحد من هذه الملفات.

لقد استأثر الموضوع باهتمام الرأي العام الوطني، كما شغل مغاربة العالم، لأن الأمر لم يكن يتعلق بمجرد عملية تجارية عادية، وإنما بعملية استثنائية ارتبطت بفرحة عيد الأضحى، وبقدرة الأسر المغربية على اقتناء الأضحية، وبإجراءات اتخذتها الدولة لتوفير القطيع في الأسواق والمساهمة في ضبط الأسعار.
لكن النتيجة التي عاشها المغاربة كانت مؤلمة.

أسعار مرتفعة، وقطيع لم يكن في متناول شريحة واسعة من الأسر، وفرحة عيد لم تكتمل عند كثير من المغاربة.

وهنا، بعد أن انتهى العيد، لا ينبغي أن ينتهي السؤال. بل ربما حان الوقت للانتقال من الجدل السياسي إلى المراقبة الإدارية والمالية.

معلومة لا يعرفها إلا القليلون ، فوزي لقجع معروف لدى المغاربة بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية.

لكن المتخصصين في الإدارة المالية يعرفون أن خريطة اختصاصاته أوسع بكثير.
فبموجب قرار وزيرة الاقتصاد والمالية رقم 3200.21، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7036، وُضعت تحت تصرف الوزير المكلف بالميزانية هياكل أساسية، من بينها إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، والمديرية العامة للضرائب، ومديرية الميزانية.
أما الخزينة العامة للمملكة، فتبقى ضمن الاختصاص المباشر للوزيرة.
نحن لا نقدم هذه المعلومة لمهاجمة السيد لقجع، ولا لإلباسه وصفاً قانونياً ليس له.
لكنها معلومة مؤسساتية مهمة لفهم من يتحمل، داخل الحكومة، مسؤولية الإشراف على القطاعات المرتبطة بهذا الملف.
وقد يكون من المثير سياسياً وصف الرجل بأنه «وزير فوق العادة»، لكن الأدق قانونياً أنه وزير منتدب يتمتع باختصاصات واسعة ومؤثرة داخل منظومة المالية العمومية.
دفتر التحملات يقول الكثير استيراد الأغنام لم يكن عملية مفتوحة بلا شروط.
هناك دفتر تحملات يحدد الشروط التقنية والصحية والإدارية للعملية، ويحدد، في ديباجته وغايته، الإطار الذي تمت فيه العملية، وفي مقدمه المساهمة في توفير القطيع في الأسواق الوطنية وضمان تموينها.

ومن هنا نفهم لماذا اتخذت الدولة إجراءات استثنائية، من بينها الإعفاء الجمركي.
فالإعفاء لم يكن، في جوهره، هدية للمستورد.
كان أداة من أدوات السياسة العمومية.

الدولة تتنازل عن حقوق جمركية، والمستورد يستفيد من هذا الامتياز، مقابل أن تحقق العملية الغاية التي أقرت من أجلها: توفير العرض والمساهمة في تخفيف الضغط على السوق.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
ماذا حدث بعد الاستيراد؟
هنا تدخل «المراقبة البعدية
في إدارة الجمارك قاعدة مهنية معروفة باسم:
Contrôle a posteriori —
المراقبة البعدية
وهي تعني، ببساطة، أن انتهاء العملية الجمركية لا يمنع الإدارة من العودة إليها للتأكد من صحة التصريحات والمعطيات، ومن سلامة النظام الجمركي الذي استفاد منه المتعامل، ومن احترام الشروط التي بنيت عليها المعاملة.
فإذا كشفت المراقبة وجود فروقات أو أخطاء أو إخلالات ترتب عنها حقوق ورسوم مستحقة، تتم تسوية الوضعية وفقاً للقانون.
وهذا هو بالضبط ما يجعلنا نتساءل:
لماذا لا تكون عمليات استيراد الأغنام التي استفادت من الإعفاء الجمركي موضوع مراقبة بعدية؟
ليس اتهاماً لأحد.
وليس تشكيكاً في المستوردين.
بل لأن الإعفاء كان استثنائياً، ولأن العملية كانت مرتبطة بهدف عمومي واضح.
فإذا تبين أن شروط الاستفادة احترمت، فذلك أمر جيد.
وإذا تبين أن حقوقاً ورسومًا أصبحت مستحقة وفقاً للقانون، فلتُستخلص.
المواطن يريد أن يعرف شيئاً واحداً
لا يهم المواطن كثيراً من كان وراء الاستيراد.
ما يهمه هو:
هل استفاد فعلاً من الإعفاء الذي تحملت الدولة كلفته؟
إذا كان المستورد قد استفاد من إعفاء جمركي، بينما كانت الغاية هي توفير القطيع والمساهمة في ضبط الأسعار، فمن حق المواطن أن يعرف ماذا تحقق على أرض الواقع.
هل وصلت الوفرة إلى السوق؟
هل انعكس الإعفاء على الأسعار؟
هل احترمت شروط الاستفادة؟
وهل تمت المراقبة البعدية؟
أسئلة مشروعة، ولا تحمل في طياتها أي اتهام مسبق.
وقبل الانتخابات…
لماذا لا نحسم الملف؟
نحن على مقربة من الاستحقاقات الانتخابية.
ومن بين المستفيدين من مختلف البرامج والامتيازات العمومية قد يكون أشخاص ينتمون إلى أحزاب سياسية.
وهنا، مرة أخرى، لا ينبغي أن يتحول الانتماء الحزبي إلى تهمة، كما لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة.
الأفضل للجميع هو تسوية الوضعيات.
أن تتم دعوة كل من استفاد من الإعفاء الجمركي إلى وضع ملفه تحت المراقبة البعدية للجمارك، وأن تتم، بالتوازي، مراجعة وضعيات المستفيدين من الدعم المرتبط باستيراد الأغنام لدى المصالح المختصة بوزارة الفلاحة، وفق الشروط والنصوص المنظمة لذلك الدعم.
إذا كانت الوضعيات سليمة، فليُعلن ذلك.
وإذا كانت هناك حقوق أو مبالغ مستحقة، فلتتم تسويتها.
وهنا قد يتحول ما يبدو اليوم عبئاً سياسياً إلى شيء آخر تماماً للأحزاب، وللمستفيدين، وللمؤسسات.
فالحزب الذي ينتمي إليه مستفيد لا ينبغي أن يبقى تحت ضغط الشائعات والتأويلات.
والمستفيد نفسه لا ينبغي أن يدخل الاستحقاقات الانتخابية وهو يحمل حوله علامات استفهام.
والدولة لا ينبغي أن تترك ملفاً بهذا الحجم معلقاً في ذاكرة الرأي العام.
ليست معركة مع الفراقشية
لا نريد محاكمة «الفراقشية» في الصحافة.
ولا نريد محاكمة فوزي لقجع.
ولا نريد أن تتحول القضية إلى تصفية حسابات سياسية.
نريد شيئاً أبسط وأكثر مؤسساتية:
راقبوا العمليات.
راجعوا الاستفادة من الإعفاء.
تحققوا من احترام دفتر التحملات.
راجعوا الدعم العمومي وفق شروطه.
واستخلصوا، عند الاقتضاء، كل حق مستحق للخزينة وفق القانون.
ثم أعلنوا النتائج للمغاربة.
هكذا فقط يمكن أن نغلق هذا الملف بطريقة تحفظ المال العام، وتحمي الإدارة، وتنصف المستفيد الملتزم، وتضع حداً للتأويلات.
فقد تكون المراقبة البعدية اليوم أكثر فائدة من ألف تصريح سياسي.
وقد يكون الإبراء قبل الانتخابات أفضل للجميع من ترك الملف يتحول إلى ورقة انتخابية.
لأن المواطن المغربي لا يريد أن يعرف فقط:
من استورد؟
ولا فقط:
من استفاد؟
بل يريد أن يعرف السؤال الأهم:
هل استفاد المواطن من الامتياز الذي مُنح باسم المواطن؟
ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم.
وذلك هو معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة.
.

Related Articles

Back to top button