مقال رأي… واش أصبحنا دراري؟ حين تتحول السياسة من مشروع وطني إلى شأن عائلي


✍️ بقلم/ محمد العايدي الإدريسي
هل أصبحنا نسير بمنطق القبيلة؟
السؤال لم يعد مبالغاً فيه، ونحن نتابع، قبيل كل استحقاق انتخابي، مشاهد سياسية يصعب أحياناً تفسيرها بمنطق المؤسسات والأفكار والبرامج.
أحزاب عريقة، وقيادات وازنة، ومسارات سياسية امتدت لعقود، ثم فجأة تبدأ الهجرة الجماعية من حزب إلى حزب.
والسبب؟
أحياناً لا يتعلق الأمر بخلاف فكري، ولا بموقف من البرنامج السياسي، ولا بتغيير في المواقف من قضايا الوطن.
بل لأن الابن لم يحصل على التزكية.
أو لأن الابنة لم توضع في المكان الذي كان منتظراً.
أو لأن الزوجة لم تحصل على المرتبة التي كانت الأسرة تراها مناسبة.واش أصبحنا دراري؟
المسألة هي: هل أصبحت الأحزاب المغربية مؤسسات سياسية، أم تحولت في بعض الحالات إلى أوعية انتخابية تُدار بمنطق العائلة والقبيلة؟
والأمر لا يتوقف عند هذه الحالة.
في الداخلة، تطرح حالة ننجا خطاط أسئلة أكثر إيلاماً، بالنظر إلى الموقع السياسي للرجل، وإلى حساسية المنطقة التي يمثلها، وإلى التراكم الذي راكمه حزب الاستقلال تاريخياً في قضية الصحراء.
فالرجل ليس مجرد منتخب عابر.
إنه قيادي ورئيس جهة، وينتمي إلى منطقة ذات رمزية وطنية ودولية، ويُفترض أن يكون حاملاً لذاكرة سياسية تتجاوز حسابات المقعد الانتخابي.
وحين نتحدث عن حزب الاستقلال، فإننا لا نتحدث عن تنظيم ولد بالأمس.
نحن نتحدث عن حزب ارتبط بتاريخ الحركة الوطنية، وكافح إلى جانب المغفور له الملك محمد الخامس، وكان له حضور أساسي في الحياة السياسية المغربية، ثم واصل مساره في أحلك الظروف، ومن بينها مرحلة استرجاع الأقاليم الجنوبية.
ونستحضر هنا مدرسة الحكيم امحمد بوستة، الذي حمل مسؤولية وزارة الخارجية والأمانة العامة للحزب، في مرحلة كان فيها الدفاع عن الوحدة الترابية قضية دولة وحزب ومجتمع.
تلك ليست مجرد ذكريات في كتاب تاريخ.
إنها تراكمات سياسية صنعت صورة المغرب، وصنعت أيضاً صورة أحزاب ورجالات في الداخل والخارج.
ولهذا يصبح السؤال مشروعاً:
هل يمكن أن تختزل كل هذه الذاكرة، وكل هذا التراكم، وكل هذه المسؤولية السياسية، في خلاف حول تزكية ابن؟
هل يمكن لرجل يوجد في موقع سياسي حساس، ويمثل جهة لها وزنها في قضية الصحراء، أن يجد نفسه أمام مفترق طرق عنوانه في النهاية: ابني أم الحزب؟
إذا صحّت المعطيات المتداولة حول هذه الحالات، فنحن أمام ظاهرة تستحق أكثر من التعليق العابر.
إنها أزمة في معنى الانتماء السياسي.
فالانتماء إلى حزب ليس عقد كراء ينتهي بانتهاء التزكية.
والحزب ليس مكتباً انتخابياً للعائلة.
والأمانة العامة ليست وكالة لتوزيع المقاعد على الأبناء والبنات والأزواج.
والبرلمان، في النهاية، ليس إرثاً عائلياً.
المغرب يحتاج إلى أحزاب قوية، نعم.
لكنه يحتاج قبل ذلك إلى رجال دولة داخل الأحزاب.
رجالاً يستطيعون أن يقولوا لأبنائهم وبناتهم:
الحزب ليس ملكاً لنا، والمقعد ليس حقاً عائلياً، والسياسة ليست تركة.
كان في السياسة المغربية حكماء.
كان الاختلاف بينهم شديداً، وكانت المعارك السياسية قاسية، لكنهم كانوا يعرفون الفرق بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة، وبين الحزب والوطن، وبين الطموح الفردي والمسؤولية التاريخية.
اليوم، يبدو أننا نعيش زمناً آخر.
زمن التزكية.
زمن «أنا أو لا أحد».
زمن «إذا لم يحصل ابني على المقعد، أبحث له عن حزب آخر».
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
نحن نريد أحزاباً مؤسساتية، ثم نتصرف أحياناً داخلها بمنطق القبيلة.
نريد تجديد النخب، ثم نبحث عن مقعد لابن أو ابنة.
نريد شباباً جديداً في السياسة، ثم نكتشف أن بعض الشباب يدخلون السياسة من الباب العائلي نفسه الذي دخل منه الآباء.
فهل نحن أمام تجديد للنخب؟
أم أمام توريث للنخب؟
وهل أصبحت الأحزاب مجرد «مراعي انتخابية» تنتقل إليها العائلات حين لا تجد التزكية التي تريدها؟
السؤال ليس موجهاً إلى حزب بعينه.
فالمشكلة، إذا صحت هذه الظاهرة، تتجاوز «الأحرار» و«الاستقلال» و«البام» و«الحركة الشعبية» وغيرها.
المشكلة في الثقافة السياسية نفسها.
حين تصبح التزكية أهم من المشروع، والمقعد أهم من الحزب، والابن أهم من المؤسسة، فإننا لا نكون قد طورنا الديمقراطية.
نكون فقط قد طورنا طرق الوصول إلى المقعد.
وهذا أخطر.
لأن المغرب الذي يستعد لمرحلة جديدة، والذي يريد أن يقدم نفسه للعالم كدولة مؤسسات، لا يمكن أن يبني نخبته السياسية بمنطق «الولد والبنت والزوجة».
المغرب أكبر من ذلك.
وتاريخ المغرب السياسي أكبر من ذلك.
وتضحيات رجال الحركة الوطنية، ورجالات الدولة الذين بنوا المؤسسات، أكبر من أن تختزل في معركة حول ترتيب اسم في لائحة.
السياسة مسؤولية وليست وجاهة.
والحزب مدرسة وليس عائلة.
والتزكية تكليف وليست إرثاً.
ولذلك، نعم، من حقنا أن نسأل بصراحة، وربما بشيء من السخرية التي تخفف مرارة السؤال:
واش أصبحنا دراري؟
أما الجواب الذي ينبغي أن يجمعنا جميعاً، فهو بسيط:
المغرب أولاً… وأخيراً



