المولد النبوي بالمغرب: طقس يتغير أم مجتمع يعيد تشكيل نفسه ؟


د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
ليس المولد النبوي في المجتمع المغربي مجرد مناسبة دينية تتكرر في التقويم الهجري، ولا مجرد ذكرى يستعاد فيها ميلاد الرسول ﷺ عبر المديح والسماع وقراءة السيرة والشمائل، وإنما هو، في جوهره السوسيولوجي، مناسبة كثيفة الدلالات تتقاطع داخلها أنظمة متعددة من المعنى: الدين والثقافة، المقدس والدنيوي، الأسرة والقرابة، الطفولة والاستهلاك، الذاكرة والممارسة، الجماعة والفرد. ومن ثم فإن تتبع التحولات التي طرأت على الاحتفال بهذه المناسبة لا يسمح فقط بفهم ما الذي تغير في طقوس المولد، وإنما يفتح نافذة أوسع على التحولات التي مست بنية المجتمع المغربي نفسه، وعلى إعادة ترتيب العلاقة بين الفرد والأسرة والجماعة والدين والسوق.
وإذا كان المولد قد أصبح، تاريخيا، جزءا من المشهد الديني والثقافي المغربي، فإن حضوره لم يكن مجرد استمرار آلي لتقليد ثابت منذ بدايات الإسلام، بل كان نتيجة مسار تاريخي من التوطين وإعادة الإنتاج داخل المؤسسات الدينية والاجتماعية والثقافية المغربية، وفي مقدمتها المساجد والزوايا ومجالس العلم والذكر والمديح.
ولذلك فمن الأدق النظر إلى المولد باعتباره ممارسة دينية وثقافية اكتسبت مع مرور الزمن شرعيتها الاجتماعية من خلال الاعتياد، والتكرار، والذاكرة، والمشاركة الجماعية، وليس باعتباره ممارسة ثابتة لم تتغير دلالاتها أو أشكالها عبر التاريخ.
ولعل أول ما يلفت الانتباه عند اقتراب هذه المناسبة هو عودة النقاش الفقهي حول مشروعيتها، بين اتجاه يرى فيها بدعة لا أصل لها في الممارسة الدينية الأولى، واتجاه آخر يرى مشروعية الاحتفال بها، مستندا إلى جملة من الاعتبارات الفقهية والدينية والتاريخية. وقد يبدو هذا النقاش، في ظاهره، خلافا حول حكم شرعي، غير أن قراءته سوسيولوجيا تكشف عن شيء أبعد من ذلك؛ إذ يتعلق الأمر بصراع حول سلطة تعريف الممارسة الدينية، وحول الحدود الفاصلة بين العبادة والعادة، وبين السنة والعرف، وبين ما هو ديني وما هو ثقافي، وحول الجهة التي تمتلك سلطة إنتاج المعنى الديني وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه التدين الصحيح.
فالفريق الذي يرفض الاحتفال لا يدافع فقط عن حكم فقهي، وإنما يستند إلى تصور محدد للدين ولعلاقة المسلم بالممارسة الدينية، بينما لا يكتفي الفريق الذي يجيز الاحتفال بإثبات المشروعية، بل يستحضر أيضا الذاكرة التاريخية ووظيفة المناسبة في استحضار السيرة النبوية وتعزيز المحبة والتذكير بالقيم الدينية. وبين هذين التصورين تتشكل ممارسة اجتماعية أكثر تعقيدا من الاختلاف الفقهي نفسه؛ إذ يمكن لفرد ألا ينخرط في الاحتفال من الناحية الدينية، لكنه يشارك في بعض مظاهره الاجتماعية، كما يمكن لآخر أن يحتفل به باعتباره تقليدا عائليا وثقافيا، لا باعتباره موقفا فقهيا محسوما.
وهنا بالضبط تظهر أهمية التمييز بين الدين بوصفه منظومة اعتقادية معيارية، والتدين بوصفه ممارسة اجتماعية، والطقس بوصفه شكلا جماعيا لإنتاج المعنى. فالمولد لا يعيش فقط في كتب الفقه، وإنما يعيش أيضا في الذاكرة العائلية، وفي المطبخ، وفي لباس الأطفال، وفي الزيارات، وفي الحلوى، وفي النقود التي كان الأطفال ينتظرون الحصول عليها، وفي مجالس المديح والسماع، وفي قراءة السيرة والشمائل، وفي الأحاديث التي كانت تدور بين أفراد الأسرة حول المناسبة.
ومن منظور سوسيولوجيا الطقوس، وخصوصا في ضوء دوركايم، يمكن النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها آليات لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي. فالاجتماع على الطعام لم يكن مجرد إشباع لحاجة بيولوجية، والزيارة لم تكن مجرد انتقال مكاني من بيت إلى آخر، واللباس الجديد لم يكن مجرد تغيير في المظهر، و”فلوس العيد” لم تكن مجرد نقود يحصل عليها الطفل؛ كانت هذه كلها مكونات داخل طقس اجتماعي أوسع يعيد ترتيب العلاقات ويمنح الأفراد شعورا بالانتماء إلى جماعة لها ذاكرة مشتركة ورموز مشتركة ومواعيد مشتركة.
كان الطفل، على سبيل المثال، يحتل موقعاً مركزيا داخل هذا الطقس. كان ينتظر المناسبة بما تحمله من لباس جديد، وحلوى، وزيارات، وإكراميات مالية، وهو ما كان يجعل المولد جزءا من تجربة الطفولة وذاكرتها. وكانت “فلوس العيد” تتجاوز قيمتها المالية المحدودة لتؤدي وظيفة رمزية؛ فهي تعبير عن الاعتراف بالطفل داخل شبكة القرابة، وعن استمرار علاقة الأخذ والعطاء بين الأجيال. فالطفل لا يحصل على المال فقط، وإنما يتلقى رسالة اجتماعية مفادها أنه عضو محبوب ومرئي داخل الجماعة العائلية.
لكن هذه الوظيفة الرمزية بدأت تتغير مع التحولات التي عرفها الاقتصاد الأسري ومع تغير موقع الطفل داخل الأسرة. فحين أصبح الطفل يتلقى مصروفاً منتظماً، وحين أصبحت حاجاته الاستهلاكية تؤمن بشكل أكثر استمرارية، لم تعد النقود التي يحصل عليها في المناسبات تؤدي الوظيفة نفسها. بل إن بعض الأسر أصبحت تنظر إلى قبول الطفل للإكراميات من الآخرين باعتباره سلوكا غير مرغوب فيه، وقد يصل الأمر إلى وصفه بالتسول المبطن، وهو ما يكشف عن تحول في مفهوم التربية على الكرامة والاستقلالية.
وهنا نكون أمام انزياح مهم في معنى المال داخل التنشئة الاجتماعية: فالمال الذي كان سابقا وسيلة لتعزيز الروابط العائلية أصبح في بعض التصورات الحديثة شيئا ينبغي أن يأتي من الأسرة المباشرة لا من شبكة القرابة الممتدة. وهذا يعني أن تغير “فلوس العيد” ليس مجرد تغير في عادة صغيرة مرتبطة بالأطفال، وإنما مؤشر على تحول أوسع من اقتصاد القرابة إلى اقتصاد الأسرة النووية، ومن علاقات الأخذ والعطاء الموسمية إلى علاقات استهلاكية أكثر انتظاماً وفردانية.
والتحول نفسه يمكن ملاحظته في مسألة اللباس الجديد. فقد كان شراء لباس جديد للمولد جزءا من اقتصاد المناسبة، وكانت الملابس تكتسب قيمتها الرمزية من ارتباطها بالطقس. كان الطفل ينتظر المناسبة لكي يرتدي الجديد، وكانت الأسرة تستعد للشراء، وكانت السوق بدورها تنتظر هذه الدورة الموسمية من الاستهلاك. لكن المجتمع الاستهلاكي المعاصر أعاد صياغة العلاقة بين اللباس والمناسبة. فقد أصبح الجديد متاحا على مدار السنة، وأصبحت العلامات التجارية العالمية جزءا من الحياة اليومية للأطفال، ولم يعد اقتناء لباس جديد يحتاج بالضرورة إلى مبرر ديني أو طقوسي.
وهنا تفقد المناسبة إحدى أهم وظائفها التقليدية: إنتاج الندرة. فالطقس كان يمنح الجديد قيمته لأنه كان يحدده بزمن معين. أما حين يصبح الجديد متاحا باستمرار، فإن المناسبة تفقد قدرتها على احتكار معنى “الجديد”. بل إن بعض الأطفال قد يتجنبون ارتداء ملابس مرتبطة بالمناسبة حتى لا يصبحوا موضع ملاحظة أو سخرية من جماعة الأقران، وهو ما يكشف أن مرجعية الطفل لم تعد عائلية فقط، وإنما أصبحت المدرسة والأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية شركاء في صناعة ذوقه وتمثلاته وسلوكه.
وهنا ينتقل المولد من كونه مناسبة تصنعها الأسرة للطفل إلى مناسبة تتفاوض الأسرة والطفل حول معناها، وربما يتدخل الأقران بصورة غير مباشرة في تحديد مدى قبول مظاهرها. وهذه واحدة من أهم سمات التحول في الطفولة المعاصرة؛ فالطفل لم يعد مجرد متلق سلبي للطقوس التي تنظمها الأسرة، وإنما أصبح فاعلا داخل سوق رمزية واسعة يتلقى منها نماذج اللباس والسلوك والذوق والتعبير عن الذات.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أحد التحولات اللافتة في المناسبة، وهو تراجع الزيارات العائلية. فالزيارة ليست مجرد ممارسة اجتماعية يمكن أن تختفي دون أثر، وإنما كانت إحدى الآليات الأساسية التي تعيد إنتاج القرابة. كانت المناسبة تفرض على أفراد الأسرة أن يلتقوا، وتمنحهم سببا مشروعا للزيارة، حتى عندما تكون العلاقات بينهم فاترة أو متباعدة. ولذلك كان الطقس يؤدي وظيفة تتجاوز الاحتفال نفسه، لأنه يوفر فرصة لإعادة وصل ما قد يكون قد انقطع من العلاقات.
أما في سياق اجتماعي تتزايد فيه الفردانية، وتتعقد فيه العلاقات الأسرية، وتظهر فيه النزاعات والخلافات بين أفراد العائلة، وتتسع فيه دوائر العلاقات خارج الأسرة، فإن المناسبة تفقد جزءا من قدرتها على فرض الاجتماع. فحين تصبح العلاقات الاجتماعية أكثر ارتباطا بالاختيار الشخصي، يصبح القريب بالدم ليس بالضرورة قريبا من الناحية الاجتماعية والعاطفية. وقد يجد الفرد في الصديق أو زميل العمل أو شبكة العلاقات الرقمية حضوراً أكبر من قريب قد لا يلتقيه إلا في المناسبات.
وهذا لا يعني أن الأسرة المغربية فقدت أهميتها، وإنما يعني أن مفهوم القرابة نفسه يخضع لإعادة تشكيل. نحن أمام انتقال تدريجي من قرابة تقوم على الإلزام الاجتماعي إلى علاقات أكثر تفاوضا وانتقائية، ومن علاقات مفروضة بحكم الانتماء العائلي إلى علاقات يعاد إنتاجها بحسب درجة القرب والثقة والانسجام العاطفي. ومن هنا فإن تراجع الزيارات في المولد يمكن قراءته باعتباره مؤشرا على إعادة تنظيم شبكة القرابة أكثر من كونه دليلا بسيطاً على “انهيار الأسرة”.
وهذا التحول يرتبط بدوره بما يسميه أولريش بيك وإليزابيث بيك-غيرنشايم مجتمعات الفردنة؛ حيث لم تعد الروابط التقليدية قادرة وحدها على تحديد السلوك الفردي، وأصبحت العلاقات أكثر خضوعا للاختيار والتفاوض وإعادة البناء. كما يمكن استحضار أنطوني غيدنز لفهم التحولات التي مست العلاقات الحميمة، حيث أصبح استمرار العلاقة أكثر ارتباطا بجودتها وبالإشباع العاطفي الذي توفره منها باستمرارها لمجرد أنها مفروضة اجتماعيا.
غير أن قراءة تراجع مظاهر الاحتفال باعتبارها دليلا على تراجع التدين ستكون قراءة متسرعة. فاختفاء الطقس أو انحسار كثافته لا يعني بالضرورة اختفاء الاعتقاد الذي كان الطقس يعبر عنه. قد يتراجع الاحتفال الجماعي بينما يستمر التدين، لكن في صور أخرى أكثر فردانية.
فالفرد الذي لم يعد يذهب إلى مجلس للمديح قد يستمع إلى المديح عبر هاتفه، والذي لم يعد يحضر درسا جماعيا في السيرة قد يتابع محاضرة دينية عبر منصة رقمية، والذي لم يعد يشارك في اجتماع عائلي قد يعيش المناسبة داخل أسرته الصغيرة أو في فضاء رقمي خاص. وهكذا لا تختفي الممارسة الدينية بالضرورة، وإنما تتغير وسائطها ومجالات ظهورها.
إننا أمام ما يمكن تسميته إعادة تموضع التدين: من الجماعة إلى الفرد، ومن المكان الديني التقليدي إلى المجال الرقمي، ومن الطقس المرئي إلى الممارسة الخاصة، ومن المشاركة الجماعية إلى الاختيار الشخصي. وهذه العملية لا تعني بالضرورة علمنة المجتمع، وإنما قد تعني إعادة تشكيل التدين داخل شروط الحداثة الرقمية والفردانية.
ومن هنا أيضا ينبغي إعادة النظر في القول إن المولد “لم يعد يحتفل به كما كان”. فهذه العبارة صحيحة جزئيا إذا كان المقصود بها مظاهر الاحتفال المرئية، لكنها تصبح غير كافية إذا أريد بها الحكم على حضور المناسبة في الوعي الديني والثقافي. فقد تكون المشكلة ليست في اختفاء المولد، وإنما في انخفاض قابلية الاحتفال للظهور الاجتماعي. لقد كانت الطقوس التقليدية عالية الظهور: ملابس جديدة، تجمعات، زيارات، أطعمة، سهرات، مجالس ومدائح. أما اليوم فقد تصبح بعض الممارسات أكثر خصوصية وأقل ظهوراً في المجال العام.
وهنا تظهر مفارقة مهمة بين الزمن الرسمي والزمن الاجتماعي. فالدولة تخصص للمولد يومين للعطلة، بما يعكس استمرار الاعتراف الرسمي بالمناسبة، لكن الاعتراف المؤسسي لا يستطيع وحده إنتاج الاحتفال. يمكن للدولة أن تمنح العطلة، لكنها لا تستطيع أن تفرض الزيارة، أو الاجتماع العائلي، أو شراء الملابس، أو تبادل الهدايا، أو المشاركة في المديح.
بل إن العطلة نفسها يمكن أن تصبح موضوعا لإعادة التأويل. فقد تكون بالنسبة إلى أسرة زمنا للاحتفال، وبالنسبة إلى أخرى فرصة للسفر، وبالنسبة إلى ثالثة فرصة للراحة، وبالنسبة إلى رابعة مجرد يومين إضافيين داخل إيقاع الحياة العادية. وهذا يعني أن الزمن الرسمي لا يطابق دائما الزمن الاجتماعي؛ فالقرار الإداري يحدد يوم العطلة، لكنه لا يحدد الطريقة التي يعيش بها المجتمع ذلك الزمن.
وإذا انتقلنا من الأسرة إلى السوق، فإن التحول يبدو أكثر وضوحا. فقد كان المولد يمثل دورة استهلاكية موسمية تنتعش خلالها مبيعات الملابس والحلويات والهدايا وبعض المنتجات المرتبطة بالمناسبة. لكن السوق المعاصرة لم تعد تنتظر المناسبات الدينية كي تنتج الاستهلاك. لقد أصبح الاستهلاك مستمرا، والمنتجات متاحة في كل الأوقات، والإعلانات قادرة على صناعة الرغبة خارج أي تقويم ديني.
لقد انتقلنا، بذلك، من اقتصاد المناسبة إلى اقتصاد الاستهلاك الدائم. في السابق كانت المناسبة تمنح السوق لحظة استثنائية، أما اليوم فإن السوق قادرة على إنتاج لحظاتها الخاصة باستمرار. ولذلك ليس غريبا أن تتراجع القدرة الاقتصادية للمولد على تحريك سوق الملابس بالطريقة التي كانت عليها سابقا.
ولا يعني هذا أن الدين قد خسر أمام السوق ببساطة، وإنما يعني أن العلاقة بين المقدس والاستهلاك أصبحت أكثر تعقيدا. فالسلعة لم تعد تنتظر المناسبة كي تصبح ذات قيمة رمزية، بل أصبح السوق قادرا على إنتاج قيمة رمزية للسلعة خارج الطقس. وهنا يظهر أحد أهم التحولات في المجتمع الاستهلاكي: لم تعد المناسبات هي التي تنظم الاستهلاك وحدها، بل أصبح الاستهلاك نفسه يعيد تنظيم المناسبات.
وإذا كانت هذه التحولات قد مست اللباس والنقود والزيارات، فإنها مست أيضا موقع المديح والسماع وقراءة السيرة والشمائل المحمدية. فقد كانت هذه الممارسات حاضرة في فضاءات دينية واجتماعية محددة، خصوصا في المساجد والزوايا وبعض المجالس العائلية. أما اليوم فقد تغيرت شروط إنتاجها واستهلاكها، فأصبح جزء منها ينتقل إلى المجال الرقمي، وجزء آخر يدخل في دائرة التراث الثقافي، وجزء ثالث يستمر في البيئات الدينية والصوفية التي حافظت على وظائفه الطقوسية.
وهنا تظهر مفارقة جديرة بالتأمل: قد يتراجع المديح بوصفه ممارسة دينية جماعية، لكنه قد يزداد حضورا بوصفه تراثا فنيا وثقافيا. وقد تصبح الشمائل والسيرة موضوعا للمحتوى الرقمي، بينما ينخفض حضورها في بعض المجالس التقليدية. إننا أمام عملية إعادة تصنيف للرموز الدينية، تنتقل فيها بعض العناصر من المجال الطقوسي إلى المجال الثقافي، دون أن يعني ذلك بالضرورة اختفاء معناها الديني.
وتقودنا هذه الملاحظة إلى مفهوم الذاكرة الجماعية عند موريس هالبفاكس. فالمجتمع لا يحتفظ بالماضي كما وقع، وإنما يعيد بناءه انطلاقا من حاجاته الراهنة. ولذلك فإن صورة المولد التي تستعيدها الأجيال الأكبر سنا باعتبارها زمنا للزيارات والملابس الجديدة و”فلوس العيد” والطعام والمديح هي أيضا صورة منتقاة من الذاكرة.
إن الحنين إلى “مولد الماضي” ليس مجرد استرجاع تاريخي، بل هو في كثير من الأحيان طريقة لمقارنة الحاضر بالماضي والحكم عليه. وعندما يقول أحدهم: “لم يعد الناس يحتفلون كما كانوا”، فإنه لا يقدم وصفا فقط، وإنما يصدر حكما ضمنيا على الحاضر باعتباره أكثر فردانية وأقل ترابطا. وهنا ينبغي على السوسيولوجي أن يتحفظ من الوقوع في فخ الحنين، لأن الماضي لم يكن بالضرورة مجتمعا مثاليا خاليا من النزاعات والتوترات والتفاوتات. المطلوب إذن ليس الدفاع عن الماضي ولا إدانة الحاضر، وإنما فهم شروط التحول.
فالمجتمع الذي تغيرت فيه الأسرة لا يمكن أن ينتج الطقوس نفسها. والمجتمع الذي تغير فيه اقتصاد الطفل لا يمكن أن يحافظ على الوظيفة نفسها لـ”فلوس العيد”. والمجتمع الذي أصبح فيه الجديد متاحا طوال السنة لا يمكن أن يحتفظ بالمعنى نفسه للملابس الجديدة. والمجتمع الذي أعاد تنظيم علاقاته حول الفرد والخصوصية لا يمكن أن يحافظ على الزيارات الجماعية بالوتيرة نفسها. والمجتمع الذي أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءا من التنشئة الاجتماعية لا يمكن أن يبقى محكوماً فقط بالآليات التقليدية لإنتاج التدين.
من هنا يمكن فهم المولد النبوي باعتباره مؤشرا كاشفا عن التحول الاجتماعي. إنه يشبه جهازا حساسا يمكن من خلاله رصد التغيرات التي حدثت في بنية الأسرة، وفي مكانة الطفل، وفي أنماط القرابة، وفي الثقافة الاستهلاكية، وفي علاقة الفرد بالمؤسسات الدينية، وفي طرق إنتاج الذاكرة الجماعية.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يحل محل السؤال التقليدي: “هل ما زال المغاربة يحتفلون بالمولد؟” هو سؤال أكثر تركيباً: أي مولد يحتفل به المغاربة اليوم؟ ومن يحتفل به؟ وكيف؟ وأين؟ ولماذا؟ وما الذي بقي من الطقس القديم؟ وما الذي تغير؟ وما الذي انتقل إلى الفضاء الرقمي؟ وما الذي أصبح مجرد ذاكرة؟
إن المولد النبوي لا يختفي بالضرورة، وإنما يعيد ترتيب نفسه داخل المجتمع. فقد انتقل، في بعض البيئات، من طقس جماعي كثيف إلى ممارسة أسرية أكثر خصوصية، ومن ممارسة عائلية إلى ممارسة فردية، ومن حضور في المجال العام إلى حضور رقمي، ومن مناسبة تنتج الاستهلاك إلى مناسبة تنافسها سوق استهلاكية تعمل طوال السنة.
ولذلك فإن ما يبدو في الظاهر “خفوتا للاحتفال” قد يكون في العمق انزياحا في وظيفة الطقس وفي موقعه داخل البناء الاجتماعي. وهذا الانزياح لا يحدث دون مقاومة. فهناك من يتمسك بالمولد بوصفه جزءا من الهوية الدينية والثقافية، وهناك من يرفضه من منطلق فقهي، وهناك من يحتفظ به باعتباره تقليدا عائليا، وهناك من يتعامل معه باعتباره مناسبة للأطفال، وهناك من لا يجد فيه اليوم ما يستدعي الاحتفال، وهناك من يعيد إنتاجه رقميا بوسائط جديدة. وهكذا تصبح المناسبة فضاء لتفاعل تمثلات متعددة، لا لتمثل واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن المولد يقدم نموذجا لما يمكن تسميته التدين المتعدد داخل المجتمع الواحد؛ فليس هناك نمط واحد من التدين المغربي، بل أنماط متعددة تتعايش وتتجاور وتتعارض وتتفاوض. وما يراه أحدهم “سنة ومحبة” قد يراه آخر “بدعة”، وما يراه ثالث “تراثا ثقافيا”، وقد يراه رابع مجرد “عطلة رسمية”.
وهذه التعددية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها خللا في المجتمع، بل باعتبارها نتيجة طبيعية لتحول المجال الديني من فضاء أكثر تجانسا إلى فضاء متعدد المرجعيات والمصادر. فالفرد اليوم لا يتلقى تعريف الدين من مصدر واحد، وإنما يعيش بين الأسرة والمدرسة والفقيه والإعلام والمنصات الرقمية والكتب والتجارب الشخصية.
إن مستقبل المولد في المجتمع المغربي، لذلك، لن يكون بالضرورة عودة إلى الماضي ولا اختفاء كاملا. والأرجح أننا سنكون أمام أشكال هجينة من الاحتفال: استمرار بعض الطقوس في البيئات التي تتمسك بها، وتراجع بعضها الآخر، وانتقال بعضها إلى الفضاء الرقمي، وتحول بعضها إلى تراث ثقافي، واستمرار المناسبة بوصفها عطلة رسمية، مع إعادة تعريف مستمرة لمعناها داخل الأسرة.
وربما تكون المفارقة الكبرى أن المجتمع المغربي لن يتوقف عن إنتاج المولد، لكنه سيستمر في إعادة إنتاجه وفق شروط اجتماعية جديدة.
فحين تختفي “فلوس العيد”، لا تختفي النقود، وإنما تتغير شبكة القرابة التي كانت تمنحها معناها. وحين لا يشتري الطفل لباسا خاصا بالمولد، لا يعني ذلك أنه فقد الرغبة في الجديد، وإنما يعني أن “الجديد” فقد ارتباطه بالمناسبة. وحين تقل الزيارات، لا يعني ذلك بالضرورة اختفاء الأسرة، وإنما يدل على إعادة تنظيم العلاقات داخلها. وحين يتراجع الاحتفال الجماعي، لا يعني ذلك حتماً تراجع التدين، وإنما قد يعني انتقال جزء منه من المجال الجماعي إلى المجال الفردي والرقمي.
ومن هنا تصبح قيمة المولد النبوي، سوسيولوجيا، أكبر من المناسبة نفسها؛ لأنه يسمح لنا بقراءة المجتمع من خلال طقس يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في داخله أسئلة كبرى حول المقدس والدنيوي، والقديم والجديد، والأسرة والفرد، والقرابة والاختيار، والذاكرة والحاضر، والدين والسوق، والطفولة والاستهلاك.
إن المولد، بهذا المعنى، ليس فقط ذكرى ميلاد الرسول ﷺ؛ إنه أيضا ذكرى المجتمع لنفسه. وفي الطريقة التي يحتفل بها المجتمع بالمولد، وفي الأشياء التي يحتفظ بها، وفي الأشياء التي يتخلى عنها، وفي الخلافات التي يثيرها، وفي المعاني التي يعيد إنتاجها، يمكن أن نقرأ جزءاً من قصة التحول المغربي نفسه. ولهذا فإن السؤال السوسيولوجي الأكثر عمقا لا ينبغي أن يكون: هل مات الاحتفال بالمولد أم بقي؟ بل: كيف تغير المجتمع حتى تغير المولد معه؟



