فن وثقافة

حين تصبح الفرجة سياسة

المهرجان بين الحق في الفرح وإدارة السخط الاجتماعي

د هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

في بعض المدن المغربية الصغيرة والمتوسطة، تكفي بضعة أيام لكي يبدو المكان وكأنه مدينة أخرى. شوارع تحتاج إلى الإصلاح، أحياء تواجه اختلالات يومية، شباب يبحثون عن العمل، فضاءات رياضية وثقافية محدودة، ومواطنون يحملون قائمة طويلة من الانتظارات المؤجلة؛ ثم فجأة ترتفع في قلب المدينة منصة عملاقة، وتنتصب الشاشات والأضواء، وتستقدم تجهيزات صوتية ضخمة، وتنتشر الحراسة والتنظيم والإعلانات، ويصل فنان مشهور، فتتدفق الآلاف إلى الساحة، وتتحول المدينة، ولو مؤقتا، إلى فضاء نابض بالحياة والفرجة. تنطفئ الأضواء بعد أيام قليلة، تفك المنصة، يغادر الفنان، تتراجع الحشود، وتعود المدينة إلى إيقاعها المعتاد. هنا تحديدا يبدأ السؤال السوسيولوجي.

ليس السؤال: هل يحق للناس أن يفرحوا؟ بالتأكيد يحق لهم ذلك. وليس السؤال: هل الثقافة والفن والمهرجان ترف زائد يمكن الاستغناء عنه لصالح الخدمات الأساسية؟ فهذا اختزال لا يقل خطورة عن اختزال التنمية في الإسفلت والإنارة والنقل. الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، كما أن المدينة لا تبنى بالطرقات والمرافق فقط؛ إنها تحتاج إلى الثقافة والفن والاحتفال والذاكرة والهوية والفرح الجماعي. المهرجان يمكن أن يكون مناسبة للالتقاء، وتنشيطا للحياة الثقافية، ودعما للفنانين، وتحريكا للتجارة، واستقطابا للسياح، وإعادة اكتشاف المدينة من طرف سكانها وزوارها. لكن السؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما يتحول المهرجان من جزء من سياسة ثقافية متكاملة إلى بديل رمزي عن سياسات اجتماعية وثقافية وتنموية ما تزال متعثرة.

من هنا تستعيد عبارة الشاعر الروماني جوفينال الشهيرة، «الخبز والسيرك»، بعض راهنيتها، لا باعتبارها وصفة جاهزة لتفسير كل مهرجان، وإنما باعتبارها مدخلا للتفكير في العلاقة بين السلطة والفرجة وإدارة المزاج الاجتماعي. غير أن استدعاء هذه العبارة ينبغي ألا يقود إلى تفسير مؤامراتي ساذج يفترض أن كل منصة هي خطة لإلهاء الناس عن مشاكلهم، وأن كل حفل هو محاولة متعمدة لإسكات المجتمع. الواقع الاجتماعي أكثر تركيبا من ذلك. فقد تتحول الفرجة إلى آلية لإدارة السخط حتى من دون وجود جهة قررت صراحة أن تستخدمها لهذا الغرض. يكفي أن تصبح الحياة العامة مشبعة بالصور والاحتفالات والأحداث الاستعراضية إلى درجة تتراجع معها الأسئلة البنيوية إلى الخلف، ويصبح ما هو مرئي ومثير وقابل للتداول أكثر حضورا مما هو عميق ومزمن وبطيء النتائج.

المهرجان، بهذا المعنى، ليس مجرد حدث فني؛ إنه واقعة اجتماعية وحضرية ورمزية. فهو يعيد تنظيم الفضاء العام، ويمنح المدينة لحظة استثنائية من الكثافة البشرية والانفعال الجماعي، ويخلق صورة جديدة عنها، كما يسمح للفاعل المؤسساتي بأن يظهر بوصفه قادرًا على التنظيم وصناعة الحدث. المنصة ليست مجرد مكان يغني فوقه الفنان؛ إنها أيضا منصة للمدينة وهي تقدم نفسها إلى سكانها وإلى العالم الخارجي. الأضواء لا تنير الساحة فقط، وإنما تنير صورة معينة عن المدينة: مدينة حية، منفتحة، قادرة على استضافة الأسماء الكبرى، وقادرة على صناعة الفرجة.

وهنا يصبح من المفيد استحضار بيير بورديو لفهم التحول من الاستثمار في الموارد المادية إلى الاستثمار في الرأسمال الرمزي. فالمهرجان يمكن أن يمنح المدينة رصيدا من الاعتراف والظهور والمكانة، ويمكن أن يرفع من قيمتها الرمزية ويجعلها أكثر حضورا في المجال الإعلامي والرقمي. لكن الرأسمال الرمزي لا يتحول تلقائيا إلى رأسمال اجتماعي أو تنموي. قد تكون للمدينة صورة جميلة في وسائل التواصل الاجتماعي بينما يظل واقع سكانها مثقلا بالانتظارات نفسها. وهنا تظهر المفارقة بين المدينة التي تعرض والمدينة التي تعاش.

فالمدينة المعاصرة لم تعد تدار فقط بوصفها مجالا للسكن والخدمات، وإنما أصبحت أيضا مجالا للصورة والتسويق والمنافسة على الانتباه. ومن هذا المنظور، يمكن للمهرجان أن يدخل ضمن ما يمكن تسميته «تسويق المدينة»، حيث تصبح الصورة جزءا من السياسة الحضرية. المدينة لا تكتفي بأن تكون مكانا يعيش فيه الناس؛ إنها تريد أن ترى، وأن تصوَّر، وأن تتداول، وأن تصبح قابلة للاستهلاك الرمزي. وهنا تتقاطع المهرجانات مع ما يسميه غوفمان إدارة الانطباع: فكما يقدم الفرد نفسه للآخرين من خلال واجهة اجتماعية، تستطيع المدينة أن تقدم نفسها من خلال واجهة احتفالية منتقاة بعناية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتسع المسافة بين الواجهة والواقع.

حين تصبح الصورة أكثر لمعانا من البنية التحتية، والفرجة أكثر حضورا من الثقافة المستدامة، والحفل أكثر وضوحا من السياسة الثقافية، فإننا نكون أمام انتقال من إنتاج الثقافة إلى إنتاج الانطباع. وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام سياسة ثقافية حقيقية أم أمام سياسة لإدارة صورة المدينة؟

لا ينبغي، مع ذلك، أن نحتقر الفرجة أو أن ننظر إلى الجمهور باعتباره كتلة سهلة الانقياد. الناس لا يذهبون إلى المهرجان لأنهم لا يدركون مشاكلهم، بل لأنهم، رغم إدراكهم لها، يحتاجون إلى الفرح. وقد يكون الفرح في بعض السياقات فعلا اجتماعيا له قيمة في ذاته؛ فالاحتفال يكسر الرتابة، ويخلق لحظة من التضامن العاطفي، ويمنح الناس فرصة للقاء والاعتراف المتبادل. ومن منظور دوركايمي، يمكن للمناسبات الجماعية أن تولد نوعا من الانفعال الجمعي الذي يجعل الأفراد يشعرون بأنهم جزء من جماعة أكبر منهم. لذلك فإن اختزال الجمهور في «مستهلك للفرجة» يحمل قدرا من التعالي الثقافي، لأن الحق في الفرح هو أيضا جزء من الحق في المدينة.
غير أن الاعتراف بهذا الحق لا يعفي من مساءلة شروط إنتاجه وتمويله ومردوده. فالمشكلة ليست في أن ينفق المال على الثقافة، وإنما في كيفية الإنفاق، وأولوياته، ونتائجه، ومن يستفيد منه. هنا يظهر مفهوم «تكلفة الفرصة البديلة» باعتباره مدخلا أساسيا لفهم الإنفاق العمومي: كل مبلغ يُخصص لمجال معين يعني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن هناك موارد لم تُخصص لمجال آخر. ولذلك فإن سؤال المواطن ليس سؤالا عدائيا تجاه الفن حين يسأل: لماذا هذا المبلغ للمهرجان؟ ولماذا لا يخصص جزء منه للنقل أو الإنارة أو إصلاح الشوارع أو بناء مركز ثقافي أو دعم الشباب أو تطوير الرياضة؟ هذه الأسئلة ليست ضد الثقافة؛ إنها في جوهرها أسئلة عن العدالة في توزيع الموارد وعن الحكامة وعن ترتيب الأولويات.

ولهذا فإن المهرجان لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين حضروا أو بعدد الصور التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي. السؤال التنموي الحقيقي هو: كم زائرا استقطب؟ كم ليلة مبيت خلق؟ كم أنفق الزوار في المدينة؟ كم استفاد التجار؟ كم فرصة عمل أتاح؟ كم فنانًا محليًا استفاد؟ ماذا بقي بعد انتهاء المهرجان؟ هل أنتج شبكة ثقافية؟ هل دعم المواهب المحلية؟ هل ساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي؟ هل ترك تجهيزا أو معرفة أو تجربة يمكن البناء عليها؟ أم أن كل شيء ينتهي بمجرد تفكيك المنصة؟

إذا كان المهرجان قادرا على خلق هذه الآثار، فإنه يصبح جزءا من اقتصاد الثقافة ومن السياسة الثقافية والتنمية المحلية. أما إذا ظل مجرد حدث مكلف ينتهي بانتهاء الحفل، فإنه يتحول إلى استهلاك رمزي للموارد، مهما كان بريقه ومهما كان حجم الجمهور الذي جذبه.

المفارقة أن المهرجان يستطيع أن يغير إحساس الناس بالمدينة بسرعة مذهلة، لكنه لا يستطيع، بذاته، أن يغير المدينة بالسرعة نفسها. يمكن للمنصة أن تنصب في ساعات، ويمكن أن تضيء الساحة في ليلة، ويمكن لفنان واحد أن يجذب آلاف الأشخاص، لكن بناء مركز ثقافي، وإصلاح شبكة الطرق، وخلق فرص العمل، وتأهيل الشباب، وتطوير الرياضة، وتحسين النقل والخدمات، يحتاج إلى سياسات طويلة النفس. ومن هنا يظهر الفرق بين «الحدث» و«التحول»: الحدث سريع ومرئي ومصور، أما التحول فبطيء ومكلف وغالبا غير قابل للتصوير في لقطة واحدة.

وهذه إحدى مشكلات السياسة المعاصرة: ما هو سريع ومرئي وقابل للتصوير يحظى أحيانا بقدرة أكبر على إنتاج الإحساس بالإنجاز من السياسات البطيئة التي تغير البنية الاجتماعية فعلا. ولذلك يمكن أن تصبح الصورة جزءا من الحكم، لا مجرد انعكاس له. فالمدينة التي تظهر في الصور وهي مكتظة بالناس تبدو ناجحة؛ والمدينة التي تتداول منصاتها الرقمية صور الفنانين والأضواء تبدو حيوية؛ لكن الصورة لا تخبرنا بالضرورة عن جودة الخدمات أو فرص الشباب أو عدالة توزيع الموارد.
هنا تدخل وسائل التواصل الاجتماعي لتضاعف هذه المفارقة. فالمهرجان لم يعد ينتهي بانتهاء السهرة؛ إنه يستمر في الصور والمقاطع والمنشورات والقصص، ويعيد إنتاج المدينة داخل فضاء رقمي تحكمه المنافسة على الانتباه. وبذلك يتحول الحدث الثقافي إلى حدث إعلامي، ثم إلى حدث رمزي، وربما إلى أداة لإنتاج شرعية جديدة قائمة على القدرة على صناعة المشهد.
إن السلطة في المجتمع المعاصر لا تعمل فقط من خلال المنع أو الإكراه؛ إنها تعمل أيضا من خلال إنتاج ما يستحق الرؤية وما يستحق التداول. ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال الأكثر دقة ليس: هل تستعمل السلطة المهرجان لإلهاء الناس؟ بل: ما الموضوعات التي تصبح أكثر وضوحا في المجال العام بسبب المهرجان، وما الموضوعات التي تتراجع إلى الهامش؟

فقد لا يكون هناك أي مخطط سري. وقد يكون المنظمون مؤمنين فعلا بأهمية الثقافة والفن. وقد يكون الجمهور راغبا فعلا في الفرح. وقد يستفيد الاقتصاد المحلي فعلا. ومع ذلك يمكن أن تنتج النتيجة الاجتماعية نفسها: إعادة ترتيب مؤقت للاهتمام العام، بحيث يصبح ما هو احتفالي أكثر حضورا من الأسئلة البنيوية.

وهنا تكمن قوة مفهوم «إدارة السخط»؛ فهو لا يعني بالضرورة قمع السخط أو إسكات الناس، وإنما قد يعني تخفيف حدته، وإعادة توزيع الانتباه، وإنتاج لحظات من الانفعال الإيجابي تسمح بتأجيل الأسئلة الأكثر إزعاجا. السخط لا يختفي؛ إنه فقط قد يدخل، لبعض الوقت، في حالة من التعليق الرمزي.

لكن السخط الاجتماعي الذي يدار ولا تعالج أسبابه لا يختفي إلى الأبد. قد يعود بعد انتهاء المهرجان، وربما يعود أكثر حدة عندما يكتشف الناس أن المدينة التي بدت جميلة لثلاث ليالٍ ما تزال تواجه المشكلات نفسها. وهنا تصبح المسافة بين المدينة المحتفلة والمدينة اليومية مصدرًا جديدًا للتوتر الاجتماعي.

لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس إلغاء المهرجان، وإنما إخراجه من منطق «الحدث المنعزل» وإدخاله في منطق «السياسة الثقافية المستدامة». لماذا لا يصبح المهرجان فرصة لتطوير فضاء ثقافي دائم؟ لماذا لا تخصص مساحة أكبر للفنانين المحليين؟ لماذا لا ترتبط برمجته بالتكوين الفني للشباب؟ لماذا لا تدمج فيه المنتجات المحلية؟ لماذا لا يصبح جزءا من استراتيجية سياحية واقتصادية للمدينة؟ ولماذا لا تعلن مؤشرات واضحة لتقييم أثره الاقتصادي والثقافي والاجتماعي؟ عندها فقط يتحول المهرجان من استهلاك للفرجة إلى إنتاج للقيمة.
المشكلة، إذن، ليست في أن تضيء المدينة ساحاتها ليلة أو ليلتين؛ المشكلة أن تصبح الأضواء أقوى من الواقع، وأن تصبح المنصة أضخم من السياسة الثقافية، وأن يصبح التصفيق معيارا للنجاح العمومي، وأن يُقاس الإنجاز بعدد الحاضرين بدلا من قياسه بما يبقى بعد مغادرتهم.

فالمدينة تحتاج إلى الفرح، لكنها تحتاج أيضا إلى أن يكون لهذا الفرح معنى يتجاوز لحظته. تحتاج إلى أن تكون الثقافة حقا مستداما لا مناسبة موسمية، وإلى أن يكون الفن جزءا من الحياة اليومية لا مجرد حدث استثنائي، وإلى أن يكون الإنفاق الثقافي استثمارا في الإنسان والمكان، لا مجرد استهلاك لصورة جميلة عن المدينة. لهذا، ربما لا يكون السؤال السوسيولوجي الأكثر دلالة: هل المهرجان خبز وسيرك؟ بل سؤال أكثر قلقا وعمقا: ماذا يحدث عندما نتقن صناعة الفرجة أكثر مما نتقن صناعة المدينة؟

عندما تصبح المنصة أقدر على تغيير المشهد من السياسة، والصورة أقدر على تغيير الانطباع من الواقع، والاحتفال أكثر حضورًا من الثقافة، فإننا لا نكون أمام مشكلة مهرجان فحسب؛ بل أمام تحول أعمق في معنى السياسة الحضرية نفسها: من تدبير الواقع إلى تدبير الإحساس بالواقع. وهنا يصبح المهرجان مرآة لاختيارات المجتمع والسلطة معا؛ يكشف ليس فقط كيف نحتفل، وإنما أيضا بماذا نؤمن، وما الذي نعتبره أولوية، وكيف نوزع مواردنا، وما الذي نريده لمدننا: أن تكون جميلة في الصور، أم أفضل في حياة سكانها.

Related Articles

Back to top button