المسؤولية الحكومية تجاه أزمة أسعار ووفرة الأضاحي في المغرب


محمد الغفري فاعل حقوقي وسياسي
واجه المغرب، مع تزايد التحديات الاجتماعية والاقتصادية، أزمة في أسعار وتوفر الأضاحي قبل عيد الأضحى. أثار هذا قلقًا واسعًا بين المواطنين. لم تعد المشكلة محصورة في غلاء الأسعار أو صعوبة الاقتناء فقط، بل تطورت إلى نقاش حول مصداقية المعطيات الرسمية وقدرة الحكومة على تنظيم السوق، ومدى تحملها لمسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه العموم.
أولاً، بين التصريحات الرسمية وواقع الأسواق
أثارت تصريحات رئيس الحكومة أمام المؤسسة التشريعية بشأن توفر نحو 40 مليون رأس من الأغنام والماعز ارتياحًا نسبيًا لدى الرأي العام. الاحتياجات الوطنية خلال عيد الأضحى أقل بكثير من هذا الرقم. ومع ذلك، كشفت الأسواق لاحقًا عن ندرة العرض وارتفاع كبير في الأسعار. أظهر هذا الفجوة الواضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. يطرح هذا التناقض أسئلة مشروعة حول دقة الأرقام ومصادرها وعمليات التحقق منها. كما يفتح الباب لاحتمال تعرض الحكومة لبيانات مبالغ فيها قدمها بعض كبار المربين أو المضاربين بهدف الاستفادة من الدعم العام. في هذه الحالة، يخسر المواطن مرتين: من خلال هدر المال العام وحرمته من أضحية بأسعار مناسبة لقدرتها الشرائية.
ثانيًا، مسؤولية الحكومة في تنظيم السوق وحماية المستهلك
لا يقتصر دور الحكومة على الإعلان عن أرقام وتقديم تطمينات. بل يتمثل بشكل أساسي في ضمان توازن السوق وحماية المواطنين من المضاربة والاحتكار والتلاعب الهادف إلى التأثير على قدرتهم الشرائية. كان ينبغي، مع اقتراب عيد الأضحى وارتفاع الطلب السنوي، أن تتبنى الحكومة إجراءات استباقية فعالة. تشمل هذه الإجراءات مراقبة الوسطاء والمضاربين، وضبط مسالك التوزيع، وتوفير معلومات شفافة ومحدثة للرأي العام، والتدخل عند الحاجة لضمان استقرار الأسعار وتوفر العرض. ما حدث كشف عن محدودية التدخل العام وضعف آليات المراقبة والتوقع. ساهم هذا في اتساع الاحتقان الاجتماعي والشعور بالعجز أمام موجة الغلاء.
ثالثًا، المساءلة السياسية والقانونية
في الأنظمة الديمقراطية، تظل الحكومة مسؤولة سياسيًا أمام المواطنين ومؤسسات الرقابة. يحق للبرلمان، كجهة رقابية، أن يطالب توضيحات دقيقة حول واقع القطيع الوطني، وكيفية إدارة الدعم العام الموجه للقطاع، وأسباب الاختلالات التي شهدتها الأسواق. كما يجب تفعيل آليات التحقيق والرقابة، من خلال الأسئلة الشفوية والكتابية أو تشكيل لجان لتقصي الحقائق، بهدف كشف الملابسات وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو عنصر أساسي للحكامة الجيدة.
رابعًا، الثقة والشفافية أساس للاستقرار الاجتماعي
الآثار الأكثر خطورة لمثل هذه الأزمات لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في تآكل الثقة بين الدولة والمواطن. عندما يشعر المواطن بأن التصريحات الرسمية لا تعكس الواقع، تتراجع مصداقية المؤسسات ويزداد شعور عدم اليقين. لذلك، يتطلب الأمر اعتماد خطاب واضح وشفاف يقدم معلومات حقيقية ومحدثة للرأي العام، مهما كانت صعوبتها. فالصراحة أقل تكلفة من فقدان الثقة.
إن ما شهدته أسواق الأضاحي هذا العام ليس أزمة ظرفية مرتبطة بالعرض والطلب فقط، بل مؤشر على اختلالات أعمق تتعلق بالحكامة الاقتصادية والتواصل السياسي والثقة العامة. وعليه، ينبغي على الحكومة تحمل مسؤوليتها كاملة، سياسيًا وأخلاقيًا، وأن تعمل بشكل عاجل على تنظيم السوق، مراقبة المضاربة، وضمان شفافية المعلومات لحماية السلم الاجتماعي وصون كرامة المواطنين وقدرتهم الشرائية. الدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بعرض أرقام، بل تلك التي تحول وعودها إلى واقع ملموس في حياة الناس اليومية.
28 ماي 2026



