التعليم الذي يصنع الجهل باسم المعرفة:قراءة سوسيولوجية في مفارقات المدرسة المعاصرة.


د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
يشهد التعليم في المجتمعات المعاصرة مفارقة لافتة تتمثل في اتساعه الكمي المستمر، من خلال تنامي أعداد المؤسسات التعليمية وتزايد أعداد الحاصلين على الشهادات، دون أن يواكب ذلك بالضرورة تطور مماثل في بناء القدرات العقلية والإبداعية للأفراد. فالمسألة لا تنحصر في محدودية المردودية التعليمية أو في تفاقم البطالة بين الخريجين، وإنما تتصل بوظيفة التعليم ذاتها ودوره في إنتاج المعرفة وتشكيل أنماط التفكير والوعي الاجتماعي.
فامتلاك الشهادة لا يشكل دائما مؤشرا على امتلاك الكفايات المعرفية والمنهجية اللازمة للفهم والتحليل والنقد والابتكار، كما أن اكتساب المعارف داخل الفضاء المدرسي لا يضمن بالضرورة القدرة على توظيفها في مواجهة تحديات الواقع أو المساهمة في مسارات التنمية.
ومن هنا تتجلى مفارقة أساسية قوامها أن النظام التعليمي قد ينجح في تخريج أفراد مزودين برصيد من المعلومات والاعتمادات الأكاديمية، لكنه قد يعجز في المقابل عن تكوين ذوات مستقلة فكريا وقادرة على المبادرة والإبداع وتحويل المعرفة إلى قيمة اجتماعية واقتصادية. وعليه، فإن الجهل في هذا السياق لا يتمثل في غياب المعرفة بقدر ما يتجسد في ضعف القدرة على استيعابها ونقدها وإعادة إنتاجها بصورة خلاقة وفاعلة.
من منظور سوسيولوجيا التربية، يمكن قراءة هذه المفارقة في ضوء التحليلات الكلاسيكية التي قدمها إميل دوركايم، والذي اعتبر المدرسة مؤسسة للتنشئة الاجتماعية تعمل على نقل القيم والمعايير الضرورية لاستمرار المجتمع. غير أن الوظيفة الاندماجية للتعليم لا تكتسب معناها إلا عندما تسهم في بناء الكفاءات الاجتماعية والمعرفية التي تمكن الأفراد من المشاركة الفعالة في الحياة العامة. أما عندما يتحول التعليم إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج الامتثال والانضباط الشكلي، فإنه يفقد بعده التحرري ويتحول إلى جهاز لإعادة إنتاج النظام القائم دون مساءلته.
وتزداد هذه القراءة وضوحا مع أعمال بيير بورديو الذي كشف كيف تساهم المدرسة في إعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية تحت غطاء الاستحقاق والكفاءة. فالشهادة في هذا السياق لا تمثل بالضرورة دليلا على امتلاك المعرفة، بل تصبح شكلا من أشكال الرأسمال الرمزي الذي يمنح حامله الاعتراف الاجتماعي والفرص المهنية. وهكذا يتحول السعي إلى التعليم من البحث عن المعرفة إلى البحث عن الشرعية الاجتماعية. ومن ثم يصبح النجاح الدراسي غاية مستقلة عن مضمون التعلم نفسه، ويتحول النظام التعليمي إلى فضاء لتوزيع الشهادات أكثر من كونه فضاء لإنتاج المعرفة.
كما يمكن فهم النقد الذي يوجهه النص إلى التعليم التلقيني من خلال أطروحات باولو فريري الذي انتقد ما سماه “التعليم البنكي”، حيث يتعامل المعلم مع المتعلم باعتباره وعاء فارغا يتم إيداع المعلومات داخله. في هذا النموذج لا يكون التعلم عملية حوارية تقوم على التساؤل والاكتشاف، بل عملية نقل أحادي الاتجاه للمعرفة. والنتيجة هي إنتاج أفراد يمتلكون القدرة على التكرار والاستظهار، لكنهم يفتقرون إلى القدرة على النقد والإبداع. ومن هذا المنظور يصبح غياب الفضول الفكري ليس مجرد خلل تربوي، بل نتيجة بنيوية لطريقة تنظيم العملية التعليمية ذاتها.
أما إذا انتقلنا إلى تحليل ميشيل فوكو، فإن المدرسة تظهر بوصفها إحدى المؤسسات الانضباطية التي تسهم في تشكيل الأجساد والعقول وفق منطق الضبط والمراقبة. فتنظيم الزمن المدرسي، وتوحيد المناهج، وإخضاع المتعلمين للامتحانات، كلها آليات لا تهدف فقط إلى نقل المعرفة، بل إلى إنتاج أفراد منضبطين وقابلين للإدارة. ومن هنا يمكن فهم العلاقة التي يقيمها النص بين نمط التعليم السائد وبعض أشكال التنظيم السياسي والاجتماعي القائمة على المركزية والطاعة. فالتعليم ليس مؤسسة مستقلة عن المجتمع، بل يعكس في كثير من الأحيان أنماط السلطة السائدة داخله ويعيد إنتاجها.
وفي إطار التحولات المرتبطة بمجتمع المعرفة، تكتسب هذه الإشكالية أبعادا جديدة. فقد بين مانويل كاستلز أن القيمة الاقتصادية لم تعد ترتكز أساسا على امتلاك الموارد الطبيعية، بل على القدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها داخل شبكات الاقتصاد الرقمي. وفي هذا السياق تفقد النظم التعليمية القائمة على الحفظ والاستظهار قدرتها التنافسية، لأن الاقتصاد الجديد لا يحتاج إلى أفراد يكررون المعلومات، بل إلى فاعلين يمتلكون مهارات التحليل والتواصل والابتكار والتعلم المستمر. لذلك فإن الأزمة التعليمية ليست أزمة مدرسية فحسب، بل أزمة تنموية تمس قدرة المجتمع على الاندماج في الاقتصاد العالمي المعاصر.
ومن زاوية سوسيولوجية أوسع، يعكس النص تحولا في طبيعة الرأسمال المطلوب للنجاح الاجتماعي. ففي المجتمع الصناعي كانت الشهادة تمثل أحد أهم أشكال الرأسمال الثقافي الذي يضمن الحراك الاجتماعي. أما في مجتمع المعرفة فإن القيمة تنتقل تدريجيا من الشهادة في حد ذاتها إلى الكفايات والمهارات والقدرة على التعلم الذاتي والتكيف مع التغيرات المتسارعة. وهذا ما يفسر اتساع الفجوة بين المخرجات التعليمية التقليدية ومتطلبات سوق العمل، حيث يكتشف الخريج أن الرصيد المعرفي الذي اكتسبه لا يكفي لمواجهة واقع اقتصادي يقوم على الابتكار والمبادرة.
كما يكشف النص عن بعد ثقافي مهم يتمثل في مساهمة الأسرة والمجتمع في إعادة إنتاج التصورات التقليدية حول النجاح والتفوق. فحين تختزل القيمة الاجتماعية للفرد في معدلاته الدراسية وشهاداته الرسمية، يصبح من الطبيعي أن تتراجع أهمية التفكير النقدي والتجريب والاستقلالية الفكرية. وهنا لا تعود أزمة التعليم مسؤولية المدرسة وحدها، بل تصبح نتاجا لتفاعل معقد بين المؤسسة التعليمية والثقافة الاجتماعية والنظام الاقتصادي والبنية السياسية.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي الذي يطرحه النص لا يتعلق بإصلاح المناهج أو تحديث الكتب المدرسية فقط، وإنما بإعادة بناء الفلسفة الاجتماعية للتعليم. فالتعليم، من منظور سوسيولوجي معاصر، ليس مجرد عملية نقل للمعارف، بل آلية لإنتاج الفاعلين الاجتماعيين القادرين على فهم العالم والتأثير فيه. وهو ليس وسيلة للاندماج المهني فحسب، بل شرط أساسي لبناء المواطنة الفاعلة وتعزيز الإبداع والتنمية المستدامة.
إن القيمة النظرية الأساسية التي يحملها النص تكمن في كشفه للتناقض بين التوسع الكمي للتعليم وضعف مردوديته النوعية. فالمشكلة ليست في عدد المدارس أو الجامعات أو الشهادات، وإنما في نوعية الإنسان الذي تنتجه هذه المؤسسات. ولذلك يمكن القول إن التحدي المركزي أمام المجتمعات العربية والأفريقية اليوم لا يتمثل في تعميم التعليم فقط، بل في الانتقال من تعليم يعيد إنتاج الامتثال إلى تعليم يصنع الفاعلية، ومن تعليم يراكم المعلومات إلى تعليم ينتج المعرفة، ومن مدرسة تمنح الشهادات إلى مؤسسة تبني العقول القادرة على الإبداع والتفكير النقدي والمشاركة في صناعة المستقبل.



