النقل عبر التطبيقات في المجتمع المغربي : بين منطق الحاجة اليومية وإشكالات الشرعية والمخاطرة


د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
يشكل النقل عبر التطبيقات في المجتمع المغربي أكثر من مجرد وسيلة جديدة للتنقل؛ فهو تعبير عن تحول أعمق يمس علاقة الأفراد بالدولة والسوق والتكنولوجيا والثقة الاجتماعية. فالنقاش الدائر حول هذه الخدمة لا يتمحور فقط حول السؤال القانوني المتعلق بمدى مشروعيتها، بل يمتد إلى أسئلة سوسيولوجية مرتبطة بإنتاج الحاجة، وإعادة تشكيل أنماط الثقة، وإعادة توزيع المخاطر داخل المجتمع.
لقد ظهر هذا النمط من النقل في سياق حضري يتسم بتزايد الطلب على التنقل السريع والمرن، وتنامي الإحساس بعدم كفاية بعض خدمات النقل التقليدية في الاستجابة لانتظارات فئات واسعة من المواطنين. فالمستخدم لا يقارن فقط بين سيارة أجرة وتطبيق إلكتروني، بل يقارن بين نموذجين مختلفين للخدمة: نموذج يقوم على العرض المتاح في المجال العام، ونموذج يقوم على الطلب الشخصي والفوري للخدمة وفق حاجات الفرد الخاصة.
من منظور سوسيولوجيا الحداثة، يمكن القول إن النقل عبر التطبيقات يمثل أحد تجليات ما يسميه عالم الاجتماع ” Anthony Giddens الأنظمة الخبيرة”، حيث تنتقل الثقة من الأشخاص المباشرين إلى الأنظمة التقنية والخوارزميات. فالمستخدم قد لا يعرف السائق، لكنه يثق في نظام التقييمات، وتحديد الموقع الجغرافي، وسجل الرحلات، وإمكانية التتبع الرقمي. وهنا تصبح التكنولوجيا منتجة للثقة بقدر ما هي منتجة للخدمة.
غير أن هذه الثقة ليست مطلقة. ففي المجتمع المغربي، ما يزال جزء مهم من التفاعلات الاجتماعية مؤسسا على المعرفة الشخصية والروابط الاجتماعية المباشرة. لذلك نجد مفارقة لافتة: فالمستخدم قد يثق في التطبيق من جهة، لكنه يظل متوجسا من السائق المجهول ومن احتمالات الاعتداء أو السرقة أو الابتزاز أو الاختطاف أو غيرها من المخاطر المحتملة. وهكذا تتعايش الثقة التقنية مع القلق الاجتماعي في الوقت نفسه.
ومن زاوية سوسيولوجيا المخاطر لدى Ulrich Beck، يمكن فهم الظاهرة باعتبارها انتقالا من مخاطر معروفة إلى مخاطر جديدة. فالنقل التقليدي يحمل مخاطر معينة اعتاد المجتمع على التعامل معها، بينما يولد النقل عبر التطبيقات مخاطر مختلفة مرتبطة بهوية السائق، والمسؤولية القانونية، وآليات الحماية والتعويض عند وقوع الحوادث أو الجرائم. فكلما توسعت الابتكارات التقنية، توسعت معها أشكال جديدة من المخاطر التي يصعب أحياناً ضبطها قانونياً ومؤسساتيا.
ومن المثير للاهتمام أن جزءاً من الإقبال على هذه الخدمات لا يرتبط فقط بالمنفعة الاقتصادية، بل أيضا بمنطق الفردانية الحديثة. فالمستخدم يبحث عن خدمة مصممة وفق حاجاته الخاصة: نقطة انطلاق يختارها بنفسه، نقطة وصول يحددها بنفسه، توقيت يناسبه، وسعرا يمكن التفاوض حوله أو تقاسمه مع الآخرين. هنا يصبح المستهلك مركز العملية كلها، وهو ما ينسجم مع التحولات التي تعرفها المجتمعات المعاصرة نحو تعزيز استقلالية الفرد في اتخاذ القرار.
لكن هذه الفردانية تخلق في المقابل توترا مع المنطق الجماعي الذي تؤطره الدولة والقوانين المهنية. فاعتراض بعض مهنيي النقل التقليدي لا ينطلق فقط من المنافسة الاقتصادية، بل أيضامن الإحساس بأن قواعد اللعبة الاجتماعية تتغير خارج الأطر التنظيمية المعروفة. ولذلك تظهر حالات من الصراع والاحتجاج والمواجهة الرمزية وأحيانا المادية بين الفاعلين المختلفين، لأن الأمر يتعلق بإعادة توزيع فرص العمل والزبائن والشرعية المهنية.
كما أن هذه الخدمات تفتح المجال أمام أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية. فالسائق لم يعد مجرد ناقل للركاب، بل قد يتحول إلى مزود لخدمة شخصية شبه دائمة، خاصة عندما تتكرر العلاقة بين الطرفين. وهنا تظهر شبكات من الثقة المتبادلة خارج الأطر الرسمية، حيث يفضل بعض الزبائن التعامل مع سائق معين، ويتحول التطبيق من وسيط تقني إلى قناة لبناء علاقات اجتماعية وشبه مهنية مستقرة. غير أن هذا الأمر نفسه قد يفتح الباب أمام أشكال من التبعية أو الاستغلال أو الابتزاز في بعض الحالات.
ومن منظور سوسيولوجيا المجال الحضري، يعكس انتشار هذه الخدمات تغيرا في تمثل المدينة نفسها. فالمواطن المعاصر أصبح أقل استعدادا لانتظار الخدمة وأكثر ميلا لاستدعائها إلى مكان وجوده. إنها ثقافة “الطلب الفوري” التي أصبحت تحكم الاستهلاك الرقمي والغذاء والتسوق والعمل، وها هي تمتد إلى مجال التنقل. فالمدينة لم تعد فقط فضاء للحركة، بل أصبحت فضاءً للخدمات المستدعاة عند الحاجة.
أما اتجاهات المغاربة نحو هذه الخدمات فتتسم بازدواجية واضحة:
• فئة ترى فيها تجسيدا للتحديث والفعالية والراحة.
• فئة تنظر إليها باعتبارها خدمة مفيدة ولكنها تحتاج إلى تقنين قانوني واضح.
• فئة ثالثة ترفضها انطلاقا من اعتبارات قانونية أو مهنية أو أخلاقية أو أمنية.
• وفئة رابعة تستخدمها رغم إدراكها للمخاطر المحتملة، لأن المنافع العملية تبدو أكبر من المخاطر المتوقعة.
وهذه الازدواجية تكشف ما يمكن تسميته “التفاوض الاجتماعي مع المخاطر”. فالأفراد لا يتخذون قراراتهم بناءً على الأمان المطلق، بل بناءً على موازنة مستمرة بين المنافع والمخاطر. فكلما ارتفعت قيمة المنفعة المدركة (السرعة، السعر، المرونة، التوفر)، زادت قابلية الأفراد لتحمل مستوى أعلى من المخاطر المحتملة.
وعلى المستوى الاستشرافي، يبدو أن الصراع الحقيقي ليس بين سيارة الأجرة والتطبيقات الرقمية، بل بين نموذجين لتنظيم الحياة الاجتماعية: نموذج مؤسساتي تقليدي يقوم على الترخيص والضبط المسبق، ونموذج رقمي يقوم على المرونة والخوارزميات والتقييم المستمر. ومن المرجح أن يتجه المجتمع المغربي، كما حدث في تجارب عديدة حول العالم، نحو صيغ هجينة تجمع بين الابتكار الرقمي والتقنين القانوني، بحيث يتم الاعتراف بالحاجة الاجتماعية لهذه الخدمات مع إخضاعها لضوابط تضمن السلامة والحقوق والمسؤوليات.
في المحصلة، لا يعكس النقل عبر التطبيقات مجرد تحول في وسائل التنقل، بل يكشف عن تحولات أعمق في بنية المجتمع المغربي نفسه: تحول في معنى الثقة، وتحول في علاقة الفرد بالمؤسسات، وتحول في إدراك المخاطر، وتحول في مفهوم الخدمة والحق في الوصول إليها. لذلك فالقضية ليست قضية نقل فقط، بل قضية حداثة اجتماعية تتفاوض يوميا مع حدود القانون والثقة والتكنولوجيا والمصلحة الفردية والجماعية.



