بعد بلاغ وزارة الداخلية المغربية: أسئلة سياسية وحقوقية لا تزال بلا جواب


محمد الغفري فاعل حقوقي وسياسي
لا تُقاس قيمة البلاغات الرسمية بما تتضمنه من معطيات فحسب، بل أيضا بقدرتها على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع. وكلما كان الحدث استثنائيا، كان من حق الرأي العام أن يحصل على أجوبة استثنائية في الوضوح والشفافية.
قبل أن أعرض ملاحظاتي، أؤكد أن إصدار بلاغ رسمي حول حادثة ” الهروب الى سبتة ” خطوة إيجابية، لأن الرأي العام من حقه أن يتلقى توضيحات من الدولة. غير أن البلاغ، رغم ما تضمنه من معطيات، ظل في حدود تقديم رواية أمنية للأحداث، ولم يجب عن عدد من الأسئلة السياسية والحقوقية والإنسانية التي يفرضها حجم ما وقع.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالتوقيت. فالبلاغ يعزو ما حدث إلى شبكات تهريب البشر والإشاعات والتضليل الرقمي، لكنه لا يفسر لماذا وقعت هذه الهجرة الجماعية يومي 30 و31 يوليوز بالذات. فإذا كانت هذه الشبكات تنشط منذ سنوات، فما الذي جعلها تختار هذين اليومين؟ وهل كانت هناك دعوات رقمية محددة؟ ومن يقف وراءها؟ وهل تم تفكيك هذه الشبكات أو توقيف المسؤولين عنها؟
أما الحديث عن حوالي أربعين ألف شخص اتجهوا نحو سبتة في ظرف يومين، فهو رقم استثنائي بكل المقاييس. وهذا يطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها: كيف تمكن هذا العدد من الوصول إلى سبتة ؟ ولماذا لم يتم اعتراضه قبل بلوغ الفنيدق؟ وهل كانت لدى الأجهزة المختصة تقديرات استخباراتية مسبقة؟ وإذا كانت السلطات تؤكد أنها اعتمدت مقاربة استباقية، فكيف وصل الأمر إلى هذا المستوى من التعبئة الجماعية؟
ثم إن البلاغ اختزل أسباب ما وقع في التضليل والاتجار بالبشر، بينما تجاهل الأسباب البنيوية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، من بطالة وفقر وانسداد الآفاق وتراجع الثقة في المستقبل. فحين يغامر عشرات الآلاف بحياتهم خلال يومين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بجريمة تهريب، بل يعكس أزمة اجتماعية وسياسية عميقة.
كما لم يقدم البلاغ أي معطيات بشأن آلاف الشباب الذين لم يصلوا أصلا إلى البحر، بعدما أوقفتهم السلطات في محطات القطارات والحافلات وعلى الطرق المؤدية إلى الفنيدق. وهؤلاء يمثلون، في الحقيقة، المؤشر الأبلغ على حجم اليأس الذي يدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة الجماعية.
وفي ما يتعلق بحصيلة الضحايا، أعلن البلاغ عن إحدى عشرة وفاة، بينما تداولت السلطات الإسبانية ووسائل إعلام أرقاما مختلفة. وهذا التباين يفرض أسئلة مشروعة: هل توجد لجنة تحقيق مشتركة؟ وهل جرى إحصاء جميع المفقودين؟ وما مصير الجثث التي قد تكون وصلت إلى الجانب الإسباني؟ ومتى ستصدر حصيلة نهائية متفق عليها؟
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد خلاف حول الأرقام، بل بحق العائلات في معرفة الحقيقة كاملة، وحق الضحايا في الكرامة والاعتراف، وحق الرأي العام في الشفافية.
ومن زاوية أخرى، لم يوضح البلاغ أسباب الاختلاف الكبير في عدد المشاركين بين الرواية المغربية والرواية الإسبانية. فإذا كان الفارق يبلغ آلاف الأشخاص، فمن حق المواطنين معرفة ما إذا كان ذلك راجعا إلى اختلاف في منهجية الإحصاء أو في الفترة الزمنية أو في معايير الاحتساب.
كما أن البلاغ لم يتفاعل مع ما راج في عدد من المنابر الإعلامية الدولية ووسائط التواصل الاجتماعي من فرضيات تربط ما جرى بضغوط جيوسياسية على الحكومة الإسبانية، وأن موجة الهجرة استُخدمت كورقة ضغط في سياق التوترات الإقليمية والدولية. ولا يمكن الجزم بصحة هذه الفرضيات في غياب أدلة، لكن كان من حق الرأي العام أن يسمع موقفا رسميا واضحا، تأكيدا أو نفيا. فالصمت يترك المجال واسعا للتأويلات، خصوصا إذا كانت الرواية الرسمية نفسها تتحدث عن شبكات منظمة. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل أصبحت هذه الشبكات تمتلك من القوة والقدرة على التنسيق ما يجعلها تحرك عشرات الآلاف في ظرف يومين وتستغل ظرفا سياسيا وإقليميا بهذه الحساسية؟
ومن زاوية حقوقية، ركز البلاغ على حماية الحدود والنظام العام، لكنه لم يمنح المكانة نفسها لحقوق المهاجرين، وواجبات الإنقاذ، وضمانات التحقيق، وحق العائلات في الوصول إلى الحقيقة.
ويبقى سؤال إنساني لا يقل أهمية عن كل الأسئلة السياسية: سواء كان عدد الضحايا أحد عشر، أو سبعة وستين كما ورد في معطيات أخرى، أليس هؤلاء جميعا مواطنين مغاربة؟ ألا تستحق هذه الفاجعة الوطنية إعلانا رسميا للحداد، أو على الأقل يوما وطنيا للتضامن مع عائلات الضحايا والمفقودين؟ إن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد الضحايا، وإنما بقدرة الدولة والمجتمع على صون كرامته، حيا وميتا.
إن ما وقع يومي 30 و31 يوليوز ليس مجرد حادث هجرة غير نظامية، بل حدث سياسي واجتماعي وإنساني كبير، يستدعي قراءة تتجاوز المقاربة الأمنية. ولذلك فإن هذا الملف يستحق تحقيقا برلمانيا وقضائيا وحقوقيا مستقلا، يكشف الحقيقة كاملة، ويحدد المسؤوليات، ويجيب عن الأسئلة التي لا يزال البلاغ الرسمي عاجزا عن الإجابة عنها، وفاء لحق المغاربة في الحقيقة، وإنصافا للضحايا، وحماية لمستقبل آلاف الشباب الذين لا ينبغي أن يبقى البحر هو أفقهم الوحيد.
الرباط في 03 غشت 2026



