الرضاعة الطبيعية في المجتمع المغربي: تحولات الأمومة وتمثلات الجسد وتضادات الرعاية بين الموروث الثقافي والسياسات الصحية المعاصرة


الجزء الأول
د.هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
لا يمكن اختزال الرضاعة الطبيعية في المجتمع المغربي في كونها ممارسة بيولوجية مرتبطة بتغذية الرضيع ونموه، كما لا يمكن فهم التحولات التي عرفتها باعتبارها مجرد انتقال من نمط طبيعي في التغذية إلى نمط اصطناعي تفرضه إيقاعات الحياة المعاصرة. فالرضاعة، بما تنطوي عليه من أبعاد جسدية ونفسية وثقافية واجتماعية، تشكل مدخلا سوسيولوجيا خصبا لفهم التحولات التي مست الأمومة، وأعادت تشكيل العلاقة بين المرأة وجسدها، وبين الأسرة ومؤسسات الرعاية، وبين المعرفة المتوارثة والخطاب الطبي الحديث، وبين الحاجات الفعلية للأمهات والانتظارات الاجتماعية التي تحيط بهن.
إنها ممارسة تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين الأم والطفل لتكشف عن شبكة من التفاعلات التي تتداخل فيها أنماط التنشئة الاجتماعية، وتوزيع الأدوار داخل الأسرة، والتحولات المهنية والاقتصادية، وتمثلات الجسد الأنثوي، وتأثيرات السوق والإعلام الرقمي، وتدخل الدولة في تنظيم شروط الصحة والوقاية. ومن ثم، فإن السؤال السوسيولوجي لا يتعلق فقط بأسباب إقبال الأمهات على الرضاعة الطبيعية أو إحجامهن عنها، ولا بالعوامل التي تدفع بعضهن إلى استعجال الفطام، وإنما يتجه أساساً إلى مساءلة الشروط الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية التي تجعل الرضاعة الطبيعية ممارسة ممكنة لدى بعض النساء، وشاقة أو متعذرة لدى أخريات، كما يتساءل عن الكيفية التي تتحول بها التوصيات الطبية إلى اختيارات يومية، وعن المسافة التي قد تنشأ بين ما تقرره المعرفة العلمية وما تسمح به شروط الحياة الفعلية.
لقد احتلت الرضاعة الطبيعية، في قطاعات واسعة من المجتمع المغربي التقليدي، موقعا ضمن منظومة متكاملة للرعاية والتنشئة، ارتبطت فيها الأمومة بالتجربة المتوارثة والتضامن العائلي وتبادل الخبرات بين النساء. وكانت المعارف المتعلقة بتغذية الرضيع والعناية به تنتقل، في كثير من الحالات، عبر الملاحظة والمحاكاة والنصيحة، من الأمهات والجدات إلى الأمهات الجديدات، داخل فضاء اجتماعي كانت الأسرة الممتدة والجوار والروابط النسائية تشكل مكونات أساسية منه.
ولم تكن هذه المعارف مجرد وصفات عملية منفصلة عن سياقها، بل كانت جزءا من رصيد ثقافي متجسد في الممارسات اليومية، وفي التصورات المتعلقة بما ينبغي أن تكون عليه الأمومة، وبكيفية الاستجابة لبكاء الطفل، وتفسير حاجاته، والتعامل مع صعوبات الرضاعة، وتحديد توقيت الفطام. ويمكن مقاربة هذا الرصيد من خلال مفهوم الهابيتوس عند بيير بورديو، باعتباره منظومة من الاستعدادات المكتسبة التي تتشكل عبر التنشئة والخبرة، وتوجه الممارسة من دون أن تتطلب بالضرورة وعياً صريحا بقواعدها. فالمرأة لا تدخل تجربة الأمومة بوصفها ذاتا بيولوجية مجردة، وإنما تحمل معها حصيلة من التمثلات والتوقعات والمهارات التي اكتسبتها داخل محيطها الاجتماعي، ثم تعيد اختبارها وتعديلها في ضوء تجربتها الخاصة والظروف التي تعيشها.
غير أن استحضار المكانة التي احتلتها الرضاعة الطبيعية في الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد رومانسي للموروث، أو إلى افتراض أن الممارسات التقليدية كانت دائما أكثر ملاءمة لصحة الأم والطفل. فالمعرفة المتوارثة، على الرغم من أهميتها في توفير الدعم العملي والعاطفي، لم تكن بمنأى عن التناقضات، إذ أمكن للتضامن العائلي أن يتحول أحياناً إلى شكل من أشكال الوصاية على الأم، كما أمكن لبعض الأعراف والمعتقدات أن تؤثر في قرارات الرضاعة والفطام بعيدا عن التقييم الصحي المتخصص.
وكانت المرأة تجد نفسها، في بعض الحالات، مطالبة بالامتثال لما تعتبره الجماعة سلوكا أموميا مقبولا، حتى عندما تتعارض التوقعات العائلية مع تجربتها الجسدية أو مع حاجاتها الفعلية. ومن ثم، فإن الموروث الثقافي لا يمثل كتلة متجانسة من القيم والممارسات، وإنما يشكل مجالا للتفاعل والتفاوض والتضاد، تتجاور داخله أشكال الدعم مع آليات الضبط، وتتداخل فيه الخبرة المتراكمة مع التفسيرات التي قد تحتاج إلى مراجعة في ضوء المعرفة العلمية.
أما التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة، فقد أعادت تشكيل الشروط التي تنتظم داخلها الرضاعة الطبيعية، بفعل تغير البنية الأسرية، واتساع مشاركة النساء في التعليم والعمل المأجور، وتحول أنماط السكن، وتنامي الاستهلاك، وتطور الخدمات الصحية، وانتشار وسائل الاتصال الرقمي. وقد أدت هذه التحولات إلى إعادة توزيع مصادر المعرفة المتعلقة بالأمومة، فلم تعد الأسرة الممتدة المرجع الوحيد الذي تستند إليه المرأة في تدبير تجربة الرضاعة، بل أصبحت المؤسسات الصحية والمختصون والمنصات الرقمية والإعلانات التجارية ومجموعات الأمهات مصادر متنافسة لإنتاج المعلومات وتوجيه الاختيارات.
وبذلك انتقلت الرضاعة، في عدد من السياقات، من ممارسة تندرج ضمن العادات اليومية المألوفة إلى موضوع للاختيار والمفاضلة والتبرير، تتداخل فيه القناعات الصحية مع الحسابات المهنية والاقتصادية، وتتفاعل فيه الرغبات الشخصية مع توقعات المحيط الاجتماعي. ولا يعني هذا التحول أن الأمهات المعاصرات أقل اهتماما بصحة أطفالهن، أو أن تراجع الرضاعة الطبيعية، حيثما ثبت، يعكس بالضرورة تراجعا في قيم الأمومة، بل يعني أن شروط ممارسة الرعاية قد تغيرت، وأن ما كان ممكنا في سياق اجتماعي معين قد يصبح أكثر صعوبة في سياق آخر.
وتكشف هذه التحولات عن مفارقة أساسية تتمثل في أن تطور المعرفة الطبية بشأن منافع الرضاعة الطبيعية لم يصاحبه بالضرورة تحسن متكافئ في الشروط الاجتماعية التي تسمح للأمهات بممارستها. فبينما تؤكد التوصيات الصحية أهمية الرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى من عمر الطفل، ثم مواصلتها مع إدخال الأغذية التكميلية المناسبة ابتداءً من الشهر السادس وحتى عمر سنتين أو أكثر، بحسب الإمكانات والظروف، قد تواجه الأم إكراهات تتصل بالعودة إلى العمل، أو بغياب الدعم الأسري، أو بصعوبة الحصول على استشارة متخصصة، أو بالألم والإرهاق والقلق بشأن كفاية الحليب.
وهنا يتعين التمييز بين المعرفة الصحية من جهة، والقدرة الاجتماعية على تحويل هذه المعرفة إلى ممارسة من جهة أخرى؛ إذ لا يكفي أن تعرف المرأة أهمية الرضاعة الطبيعية حتى تتمكن من الاستمرار فيها، ما لم تتوافر لها الشروط المادية والزمنية والصحية والنفسية الملائمة. ولذلك فإن تفسير الممارسات الغذائية للرضع انطلاقا من مستوى الوعي وحده يظل تفسيرا قاصرا، لأنه يغفل أن الاختيارات الفردية تتشكل داخل بنية من الفرص والقيود التي لا تتوزع بالتساوي بين النساء.
وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح عند تحليل الإحجام عن الرضاعة الطبيعية، الذي كثيرا ما يفسر من خلال تصورات تختزل القرار في ضعف الوعي الصحي، أو تفضيل الراحة، أو التأثر بأنماط الاستهلاك الحديثة. غير أن الإحجام قد يرتبط بعوامل ذاتية متعددة، منها الخوف من الألم، أو تجارب سابقة صعبة، أو القلق بشأن كمية الحليب، أو الإرهاق الجسدي والنفسي، أو الرغبة في استعادة قدر من الاستقلالية الجسدية وتنظيم الزمن الشخصي. وقد يرتبط، في حالات أخرى، بأسباب صحية تستدعي تقييما متخصصا، أو بظروف مهنية وأسرية تحد من إمكانية الاستمرار في الرضاعة. ولا ينبغي التعامل مع هذه العوامل بوصفها مؤشرات على ضعف الارتباط العاطفي بالطفل، لأن الأمومة لا تختزل في طريقة واحدة للتغذية، كما أن العلاقة الوجدانية بين الأم وطفلها لا يمكن قياسها حصراً بمدة الرضاعة أو بنمطها.
ويقتضي التحليل السوسيولوجي، في هذا السياق، التمييز بين الرغبة في الرضاعة والقدرة الفعلية على ممارستها. فقد تكون الأم مقتنعة بمنافع الرضاعة الطبيعية، لكنها لا تجد الوقت أو الدعم اللازمين للاستمرار فيها، وقد ترغب في مواصلتها لكنها تواجه ألما أو صعوبات تحتاج إلى مواكبة صحية، وقد تتوقف عنها لأن شروط عملها لا تسمح لها بتنظيم الرضعات أو بسحب الحليب وتخزينه بصورة ملائمة.
وفي هذه الحالات، لا يعود السؤال الأكثر إنتاجية هو لماذا لم تواصل الأم الرضاعة، بل ما الشروط التي كان ينبغي توفيرها حتى تتمكن من مواصلتها؟ إن نقل السؤال من مستوى المحاسبة الفردية إلى مستوى تحليل الشروط الاجتماعية لا يلغي مسؤولية الاختيار، وإنما يضعها في سياقها الواقعي، ويكشف الحدود التي تفصل بين ما ترغب فيه المرأة وما تستطيع إنجازه في ظل الموارد المتاحة لها.
وتبرز أهمية هذا التمييز عند النظر إلى التوزيع الاجتماعي للعمل الرعائي، الذي ما يزال في كثير من الأسر المغربية يميل إلى تحميل المرأة النصيب الأكبر من مسؤولية رعاية الطفل، حتى عندما تكون منخرطة في العمل المأجور أو تتحمل مسؤوليات مهنية متعددة. فقد تجد الأم نفسها مطالبة بالرضاعة، والسهر، والتعامل مع حاجات الطفل اليومية، والقيام بالأعمال المنزلية، والمحافظة في الوقت نفسه على التزاماتها المهنية، من دون أن يقابل ذلك توزيع عادل للمسؤوليات داخل الأسرة.
وبهذا المعنى، تتحول الرضاعة إلى إحدى النقاط التي تتجلى عندها التوترات بين المساواة في المجال العام واستمرار اللامساواة في المجال الخاص. فالمرأة التي أصبحت أكثر حضورا في التعليم والعمل لا تتحرر بالضرورة من التصورات التي تجعل الرعاية امتدادا طبيعيا لمسؤوليتها الفردية، وقد تجد نفسها أمام مطالب متناقضة: أن تكون أما متفرغة عاطفيا وجسديا، وأن تكون عاملة منتجة ومستقلة اقتصاديا، وأن تنجح في التوفيق بين المجالين من دون أن تتوافر لها دائما شروط هذا التوفيق.
ومن منظور سوسيولوجيا النوع الاجتماعي، لا يمكن فهم الصعوبات التي تواجه الرضاعة الطبيعية بمعزل عن هذه البنية غير المتكافئة لتوزيع الوقت والجهد والمسؤولية. فالأب، والأسرة، ومؤسسات العمل، والخدمات الصحية، والسياسات الاجتماعية، جميعها أطراف يمكن أن تسهم في تيسير الرضاعة أو تعقيدها. وعندما تترك الأم وحدها في مواجهة هذه المطالب، يصبح تشجيع الرضاعة الطبيعية خطابا يحملها مسؤولية إضافية بدل أن يوفر لها شروط الدعم. لذلك فإن المقاربة الأكثر عدالة لا تجعل الرضاعة واجبا أنثويا معزولا، بل تعتبرها جزءا من منظومة أوسع للرعاية المشتركة، يكون فيها دعم الأم وتقاسم الأعباء وتوفير الظروف الملائمة مسؤولية اجتماعية ومؤسساتية، لا مجرد مسألة تتعلق بإرادتها الشخصية.
ولا تنفصل هذه الإشكالية عن التمثلات الاجتماعية التي تجعل الرضاعة الطبيعية أحد المعايير الرمزية للحكم على جودة الأمومة. فقد تتحول الرضاعة، في بعض الخطابات العائلية والاجتماعية، من ممارسة ذات فوائد صحية إلى علامة على التضحية والتفاني والارتباط بالطفل، ويصبح الالتزام بها مؤشرا على كون المرأة أما صالحة، في حين ينظر إلى التوقف عنها باعتباره دليلا على التقصير أو ضعف المسؤولية.
ويمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال مفهوم العنف الرمزي عند بورديو، حيث لا تعمل الهيمنة دائما بواسطة الإكراه المباشر، بل قد تتجسد في معايير اجتماعية تبدو طبيعية وبديهية، وتجعل المرأة تتبنى نظرة المجتمع إلى ذاتها، فتشعر بالذنب أو النقص عندما تعجز عن مطابقة النموذج المثالي للأمومة. ويشتد هذا الضغط حين تتجاهل الأحكام الاجتماعية التفاوت بين النساء في الظروف الصحية والمهنية والاقتصادية، وتفترض أن جميع الأمهات يمتلكن الموارد نفسها والقدرة نفسها على الاستمرار في الرضاعة.
إن نقد هذه المعايير لا يعني التقليل من القيمة الصحية للرضاعة الطبيعية، بل يعني الفصل بين التوصية الطبية المستندة إلى الأدلة وبين تحويلها إلى أداة للمحاسبة الأخلاقية. فالدعوة إلى الرضاعة الطبيعية لا تستلزم وصم الأمهات اللواتي يتعذر عليهن الاستمرار فيها، ولا تبرر اختزال جودة الأمومة في نمط واحد من التغذية.
كما أن الاعتراف باستقلالية المرأة لا يعني تجاهل الأدلة العلمية أو التعامل مع جميع أنماط تغذية الرضع باعتبارها متساوية في المنافع الصحية؛ بل يقتضي توفير المعلومات الدقيقة والمشورة الملائمة، وتمكين الأم من اتخاذ قرار مستنير، مع احترام الحالات التي تستدعي تدخلا طبيا أو اللجوء إلى بدائل غذائية مناسبة. وبذلك يمكن الانتقال من نموذج الأمومة الذي يقوم على الامتثال لمعيار اجتماعي موحد إلى تصور أكثر إنصافاً، يجعل حماية صحة الطفل ومراعاة صحة الأم وكرامتها مرتكزات متكاملة.



