فن وثقافة

الأجر والتعويض والامتياز بالدولة المغربية

قراءة سوسيولوجية في اقتصاد المهمة والسلطة

د هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

لا يكمن الأجر في كونه مجرد مبلغ مالي يتقاضاه الفرد في نهاية الشهر مقابل عمل أنجزه، وإنما يمثل في العمق إحدى أكثر الآليات الاجتماعية تعبيرا عن الطريقة التي ينظم بها المجتمع قيمة العمل، ويرتب المهن، ويمنح المكانة، ويوزع الاعتراف، ويحدد المسؤولية والسلطة والامتياز. ولذلك فإن الحديث عن الأجور والتعويضات داخل الدولة المغربية لا يمكن اختزاله في أرقام ترد في قوانين المالية أو في كشوفات الأجور، لأن الرقم المالي نفسه يخفي وراءه منظومة من التصنيفات القانونية والمؤسساتية والرمزية، ومن علاقات القوة والتفاوض، ومن التصورات التي تحملها الدولة والمجتمع حول قيمة العمل والمسؤولية والموقع.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى التمييز بين الأجر والتعويض والامتياز، وهي مفاهيم كثيرا ما تختلط في الخطاب العمومي. فالأجر هو المقابل الأصلي المرتبط بالوظيفة أو الوضعية النظامية، بينما يرتبط التعويض في الأصل بعنصر إضافي يدخل على العلاقة المهنية، كالمسؤولية أو الخطر أو المهمة أو التنقل أو الحراسة أو الساعات الإضافية أو غيرها، في حين أن الامتياز يحيل إلى منفعة مالية أو عينية قد ترتبط بالموقع أو طبيعة الوظيفة ولا تظهر بالضرورة في صورة مبلغ شهري مباشر. أما المعاش فيمثل حقا ماليا لاحقا للخدمة أو المهمة، ويخضع لنظام قانوني مستقل وشروط خاصة.

وهذا التمييز ليس مجرد تمرين لغوي، بل يترتب عليه أثر قانوني ومالي واجتماعي، لأن المبلغ الذي يسمى تعويضا لا يخضع بالضرورة للقواعد نفسها التي يخضع لها الراتب، ولا تدخل كل التعويضات في وعاء التقاعد أو الضريبة بالطريقة نفسها.
وتكشف المنظومة القانونية المغربية عن تعدد واضح في هذه العناصر، إذ لا يوجد نظام أجر موحد يستوعب جميع العاملين في الدولة بالطريقة نفسها، وإنما تتقاطع مقتضيات النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية مع أنظمة أساسية خاصة، ومراسيم تحدد الأجور، ونصوص تحدث تعويضات مرتبطة بمهام أو مسؤوليات أو مخاطر أو أوضاع مهنية محددة. وهذا التعدد ليس وليد لحظة واحدة، وإنما هو حصيلة تاريخ طويل من تشكل الإدارة المغربية، حيث نشأت قطاعات وهيئات ومهن في ظروف مختلفة، وحصلت على أنظمة خاصة تعكس طبيعة مهامها ومطالبها المهنية والتفاوضية.

ويصبح السؤال أكثر حساسية عندما نكتشف أن الشهادة نفسها لا تؤدي بالضرورة إلى الأجر نفسه، وأن الرتبة المتقاربة لا تعني بالضرورة دخلا متساويا، وأن التشابه في المستوى الدراسي لا يعني التشابه في الحزمة المالية. فقد يكون الفرق ناتجا عن طبيعة المسؤولية أو المخاطر أو ساعات العمل أو المداومة أو الندرة المهنية أو الموقع الجغرافي أو طبيعة المهام، لكنه قد يكون أيضا نتيجة لمسار تاريخي خاص بكل قطاع أو لقدرته على التفاوض من أجل الحصول على تعويضات إضافية.
ومن هنا يصبح السؤال السوسيولوجي أكثر عمقا من السؤال الإداري: هل تعكس الفوارق في الأجور اختلاف القيمة الاجتماعية والوظيفية للعمل، أم تعكس أيضا اختلاف القدرة على التفاوض داخل الدولة؟

وتتضح أهمية هذا السؤال حين ننتقل من الوظيفة العادية إلى المهمة. فالمهمة ليست دائما امتدادا للوظيفة الأصلية، وإنما يمكن أن تكون وضعية إضافية تترتب عنها أعباء أو مسؤوليات أو تكاليف لا تدخل في الأجر الأصلي. لذلك فإن التعويض عن المهمة، من الناحية النظرية، ليس أجرا ثانيا، وإنما مقابل لعنصر إضافي. إلا أن هذا المنطق يصبح أكثر تعقيدا حين يتعلق الأمر بالمناصب العليا والمهام السياسية، حيث تتحول المهمة إلى موقع داخل بنية السلطة، ويصبح لهذا الموقع اقتصاد خاص به.

ويشكل وضع أعضاء الحكومة مثالا واضحا على ذلك، إذ يميز النص القانوني المنظم لوضعيتهم بين المرتب والتعويض عن التمثيل وبعض المنافع والتعويضات المرتبطة بالمهمة، كما يقرر حقوقا مالية عند التنصيب وعند انتهاء المهام، فضلا عن نظام معاش وفق شروط محددة.

وهنا تبرز مسألة تستحق قراءة سوسيولوجية دقيقة: هل التعويض عند انتهاء المهمة مكافأة على النجاح، أم هو حق قانوني يترتب عن انتهاء الوضعية؟ إن النص، في الحالة المذكورة، لا يجعل التعويض عند انتهاء المهام مرهونا بتقييم سياسي لنجاح الوزير أو فشله، وإنما يرتبط بتحقق واقعة قانونية هي انتهاء المهمة وفق الشروط المحددة. وهذا يعني أن التعويض لا ينبغي أن يقرأ تلقائيا باعتباره مكافأة على الأداء، كما لا ينبغي أن يفهم الحصول عليه باعتباره نفيا للمحاسبة.
وهنا ينبغي الفصل بين مسارين كثيرا ما يجري الخلط بينهما في النقاش العام: مسار المسؤولية والمساءلة من جهة، ومسار الحقوق المالية من جهة أخرى. فقد يكون المسؤول موضوع تقييم سياسي، أو مساءلة برلمانية، أو رقابة مالية، أو متابعة قضائية إذا توفرت شروطها، وفي الوقت نفسه يظل مستفيدا من حق مالي يقرره القانون.

كما أن وجود حق مالي لا يعني انعدام المسؤولية. فدولة القانون تقوم، من حيث المبدأ، على أن لكل حق مصدره وشروطه، ولكل مسؤولية أساسها وآلياتها. ومن ثم لا يمكن إسقاط حق مالي لمجرد وجود انتقاد سياسي، كما لا يمكن اعتبار الحق المالي حصانة من المساءلة.

السؤال السوسيولوجي لا يتوقف عند حدود المشروعية القانونية. فحتى عندما يكون التعويض قائما على نص واضح، يظل من المشروع بحث وظيفته الاجتماعية، والسؤال عن السبب الذي جعل الدولة تقرره، وما إذا كان هذا السبب ما يزال قائما، وما إذا كان حجم التعويض متناسبا مع طبيعة المسؤولية أو الكلفة التي يفترض أن يعوض عنها. فالحق القانوني يجيب عن سؤال «هل يحق؟»، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال «لماذا؟» ولا عن سؤال «هل ما يزال مناسبا؟».

وتزداد أهمية هذا النقاش عندما يمتد الأثر المالي للمهمة إلى ما بعد انتهائها. فبعض المواقع قد تنتج تعويضا عند المغادرة أو حقوقا تقاعدية لاحقة. ومن منظور قانوني، لا غرابة في ذلك إذا كان النص يقرر هذه الحقوق، لكن من منظور اجتماعي يمكن التساؤل عن فلسفة استمرار الأثر المالي: هل هو حماية من فقدان الدخل؟ هل هو تعويض عن ترك نشاط مهني سابق؟ هل هو ضمان للاستقلالية؟ أم أنه استمرار للمكانة الاقتصادية للموقع بعد زوال السلطة الفعلية؟ إن طرح هذه الأسئلة لا يعني التشكيك في المشروعية، وإنما يضع الحق المالي داخل سياقه الاجتماعي.
ومن هنا يصبح التعويض جزءا من اقتصاد السلطة. فالسلطة لا تنتج فقط القدرة على اتخاذ القرار، وإنما تنتج أيضا مجموعة من الموارد المرتبطة بالموقع. وكلما ارتفع الموقع داخل الهرم المؤسساتي، ازدادت الحاجة إلى معرفة الحدود بين ما هو أجر، وما هو تعويض، وما هو استرداد لمصاريف فعلية، وما هو امتياز، وما هو حق لاحق للمهمة. فالمشكلة لا تكمن في وجود هذه العناصر في حد ذاتها، وإنما في غياب القدرة الاجتماعية على التمييز بينها.

وهنا يمكن الاستفادة من ماكس فيبر لفهم البيروقراطية باعتبارها نظاما يقوم على تقنين الوظائف وتحديد الصلاحيات والمقابل المادي. لكن البيروقراطية، رغم اعتمادها على القواعد، لا تنتج المساواة التامة، وإنما تنتج تراتبية منظمة. ولذلك فإن الاختلاف في الأجر ليس في ذاته دليلا على الظلم؛ إذ يمكن أن يكون الاختلاف مبررا باختلاف المسؤولية أو الخطر أو الندرة أو الزمن المهني. المشكلة تبدأ عندما يصبح الاختلاف غير قابل للتفسير بمعايير واضحة.
أما بيير بورديو فيسمح بفهم كيفية تحول أنواع مختلفة من رأس المال إلى موارد اقتصادية. فالشهادة رأس مال ثقافي، والخبرة رأس مال مهني، والموقع داخل مؤسسة معينة يمكن أن ينتج رأسمالا رمزيا، والقدرة على التنظيم والتفاوض يمكن أن تتحول إلى رأسمال تفاوضي. ومن ثم لا يمكن تفسير الدخل بالشهادة وحدها، لأن قيمة الشهادة نفسها تتغير بحسب المجال المؤسساتي الذي توظف فيه.
ويمكن أيضا قراءة التعويض من خلال تصور فوكو للحكم، باعتباره أداة لتوجيه السلوك. فالدولة لا تدير موظفيها فقط من خلال الأوامر والقوانين، وإنما أيضا من خلال الحوافز. وعندما تحدث تعويضا عن مسؤولية أو خطر أو مهمة إضافية، فإنها لا تعوض الموظف فحسب، بل توجهه نحو قبول هذه المسؤولية أو العمل في هذه الظروف. وبذلك يصبح التعويض تقنية من تقنيات إدارة الموارد البشرية وتوزيع الكفاءات.

لكن هذه الآلية تحمل في داخلها احتمال التحول من التعويض الوظيفي إلى الامتياز المؤسساتي. فالتعويض يكون مبررا عندما يرتبط بسبب واضح، بينما يصبح الامتياز أكثر احتمالا عندما ينفصل المورد عن السبب الذي أنشئ من أجله أو عندما يستمر رغم زوال شروطه أو عندما يصبح مرتبطا بالموقع أكثر من ارتباطه بالعمل الفعلي. ومن هنا تأتي ضرورة مراجعة التعويضات بصورة دورية، لا من أجل إلغائها بالضرورة، وإنما للتأكد من استمرار العلاقة بين التعويض والسبب الذي أنشئ من أجله.

وتطرح المسألة أيضا سؤال التمويل. فكل تعويض يؤدى من المال العام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يندرج ضمن عملية توزيع للموارد. وهذا يعني أن الأجر والتعويض ليسا شأنا فرديا، وإنما جزء من السياسة المالية للدولة. وعندما تخصص الدولة موردا لمهمة أو وظيفة معينة، فهي في الوقت نفسه تعطي هذه المهمة قيمة مالية، وتضعها ضمن سلم أولوياتها.

لهذا فإن الشفافية لا ينبغي أن تقتصر على نشر الراتب، وإنما ينبغي أن تمتد إلى كشف الحزمة المالية كاملة: الأجر، والتعويضات، والمنافع العينية، والمصاريف المسترجعة، والحقوق الاجتماعية، والحقوق التقاعدية، مع بيان طبيعة كل عنصر وشروطه.

إن سوسيولوجيا الأجر والتعويض لا تنشغل فقط بسؤال «كم يتقاضى هذا الشخص؟»، وإنما تسأل: ما القيمة التي تعطيها الدولة لهذه الوظيفة؟ لماذا تمنح هذا التعويض؟ من يستفيد منه؟ من يموله؟ متى يبدأ؟ متى ينتهي؟ وهل يخضع للمراجعة؟ وهل يتناسب مع المسؤولية أو الخطر أو الكلفة المهنية التي يفترض أن يعوض عنها؟

وعندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، يصبح الاختلاف في الأجور قابلا للفهم. أما عندما تكون غامضة، فإن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى شعور بالتمييز، وعندما يصبح الموقع مصدرا دائما للموارد بصرف النظر عن طبيعة المهمة واستمرار أسباب التعويض، فإننا ننتقل من اقتصاد الوظيفة إلى اقتصاد الامتياز.
وهكذا يكشف الأجر والتعويض عن أكثر مما يبدو في كشف الراتب؛ إنهما يكشفان الطريقة التي تحول بها الدولة المسؤولية إلى قيمة، والموقع إلى مورد، والعمل إلى اعتراف مادي، والسلطة إلى امتيازات أو حقوق. ومن هنا فإن السؤال المركزي لا ينبغي أن يكون فقط: «كم تدفع الدولة؟»، وإنما: «بأي منطق تدفع، وكيف تبرر الفوارق، ومن يملك القدرة على التأثير في هذا التوزيع؟».

وهذا السؤال الأخير هو الذي يقودنا إلى المستوى الثاني من المشكلة: إذا كانت الدولة تنتج عدة أنظمة للأجر والتعويض، فلماذا تختلف المداخيل بين قطاعات وموظفين يحملون الشهادات نفسها أو يمارسون وظائف متقاربة؟ وهل تعكس هذه الفوارق اختلاف قيمة العمل فعلا، أم أنها تكشف أيضا اختلاف القوة المهنية والنقابية والقدرة على التفاوض؟

Related Articles

Back to top button