فن وثقافة

حين تتكلم العين عن الرجل

سيميائيات الجسد والذكورة في المخيال المغربي

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

حين يوصف الرجل في المخيال الاجتماعي المغربي بأنه «زير نساء»، أو يستدعى في الخطاب المعاصر اسم أحد مشاهير الموضة والوسامة والجاذبية للدلالة عليه، فإننا لا نكون فقط أمام توصيف لسلوك عاطفي أو جنسي، وإنما أمام عملية اجتماعية معقدة لتحويل الجسد إلى لغة، والملامح إلى علامات، والمظهر إلى سردية عن الشخصية. ولعل التعبيرين الدارجين «عينو خضرا» و«عينو زرقا» يقدمان نموذجا بالغ الدلالة لهذه العملية؛ إذ تنتقل العين من كونها عضوا بيولوجيا ووظيفة حسية إلى أن تصبح علامة سيميائية تختزن الجاذبية والإغواء والاختلاف والفتنة، بل وقد تستدعى أحيانا بوصفها قرينة رمزية على نمط معين من الذكورة.

المثير سوسيولوجيا أن التعبير لا يقول مباشرة: «هذا الرجل كثير العلاقات» أو «يمارس الإغواء»، وإنما يستبدل الفعل بالسمة الجسدية، والسلوك بالعلامة، والممارسة بالمظهر. وهنا يحدث انزياح دلالي بالغ الأهمية: من «ماذا يفعل الرجل؟» إلى «كيف تبدو عيناه؟». وكأن الجسد يصبح وثيقة اجتماعية تقرأ منها الجماعة ما وراء الجسد نفسه.

إن «العين الخضراء» أو «العين الزرقاء» لا تعود مجرد لون؛ إنها تتحول، داخل سياق تداولي معين، إلى علامة تحمل إيحاءات بالجمال والندرة والتميز والجاذبية، ثم تنتقل هذه الإيحاءات إلى الشخصية نفسها، فينشأ الربط الرمزي بين اللون وبين صورة الرجل الذي «لا تتركه النساء وشأنه» أو الذي «لا يترك النساء وشأنهن».

وهنا تكمن المفارقة السيميائية، فاللون لا ينتج السلوك، وإنما المجتمع هو الذي ينتج المعنى المنسوب إلى اللون. لا توجد علاقة بيولوجية تسمح بالاستنتاج من لون العين إلى تعدد العلاقات أو الميل إلى الإغواء؛ لكن توجد علاقة ثقافية تجعل بعض الملامح الجسدية قابلة لأن تتحول إلى مؤشرات اجتماعية. ومن ثم فإن «عينو خضرا» لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها حقيقة عن الرجل، وإنما باعتبارها حقيقة عن الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الرجل.

فالعيون الفاتحة، في جزء من المخيال الجمالي المغربي، ترتبط بالندرة وبالاختلاف عن المألوف، وقد تستدعي صورا ثقافية عن الجمال والوسامة والتميز. وعندما تتراكم هذه الدلالات داخل التداول اليومي، يصبح اللون نوعا من الرأسمال الرمزي. وهنا يمكن الاستفادة من تصور بيير بورديو للرأسمال الرمزي والجسد بوصفه حاملا لقيم اجتماعية؛ فالجسد لا يدخل المجال الاجتماعي باعتباره مادة بيولوجية محايدة، وإنما يحمل فروقا وامتيازات وتمثلات، ويمكن لبعض خصائصه أن تتحول إلى موارد للقبول والانتباه والجاذبية.

لكن الأمر لا يتوقف عند لون العين؛ فاللون يدخل في منظومة كاملة لإنتاج الرجل الجذاب: شكل الوجه، طريقة اللباس، الشعر، العطر، القوام، الصوت، طريقة المشي، طريقة الحديث، ثم طريقة النظر. وهنا يصبح الجسد الذكوري أشبه بنص مفتوح تتضافر عناصره لإنتاج صورة اجتماعية معينة. ولذلك فإن وصف الرجل بأنه «عينو زرقا» قد لا يكون في كثير من السياقات مجرد إخبار عن لون عينيه، بل اختصارا لباقة من الصفات المتخيلة: «وسيم»، «مختلف»، «كيشد الانتباه»، «عندو حضور»، «كيعرف يهضر»، وربما «كيعرف يتعامل مع النساء».

ومن هذه الزاوية، تصبح العين أكثر من عضو للرؤية؛ إنها نقطة التقاء بين النظر والمرغوب فيه. فالإنسان لا يرى بالعين فقط، وإنما يقرأ من خلالها نوايا الآخرين ويستدل بها على الانتباه والرغبة والاهتمام. ولذلك تحمل العين في الثقافة واللغة حمولة رمزية تتجاوز وظيفتها البيولوجية. إنها تنظر وتراقب وتكشف وتستقطب، ولذلك يمكن أن تتحول إلى مدخل لتفسير الشخصية. ومن هنا يصبح «الرجل صاحب العين» في المخيال الشعبي ليس الرجل الذي يمتلك لونا معينا فقط، وإنما الرجل الذي يُفترض أن نظرته نفسها تمتلك قوة اجتماعية.

وهنا تبرز أهمية إرفينغ غوفمان في فهم المسألة من زاوية التفاعل اليومي وإدارة الانطباع. فالفرد لا يقدم نفسه للآخرين بصورة محايدة؛ إنه يدير حضوره، ويتحكم في مظهره، ويستخدم الجسد واللباس والحركة والنظرات لصناعة انطباع معين. والوجه، بما فيه العينان، يحتل موقعا مركزيا في هذا العرض الاجتماعي للذات. فالنظرة الطويلة، والابتسامة، وحركة العين، وتجنب التواصل البصري أو الإصرار عليه، كلها تدخل فيما يمكن تسميته «أداء الجاذبية». ولذلك فإن «العين» ليست فقط شيئا نراه، وإنما شيئا نؤدي من خلاله أيضا.

وفي الثقافة الشعبية المغربية، تكتسب هذه العملية قوة إضافية بفعل طبيعة اللغة اليومية القائمة على المجاز والتلميح والسخرية والمبالغة. فالتعبير الشعبي لا يقدم دائما حكما مباشرا، بل يترك للسامع مساحة لإكمال المعنى. وعندما يقال عن رجل «عينو خضرا» أو «عينو زرقا» في سياق الحديث عن النساء، فإن المتلقي لا يسمع وصفا تشريحيا، وإنما يستدعي شبكة من المعاني سبق أن تعلمها اجتماعيا. وهكذا يعمل التعبير بوصفه شفرة ثقافية: لون العين يحيل إلى الجمال، والجمال يحيل إلى الجاذبية، والجاذبية تحيل إلى القدرة على الاستمالة، ثم تستكمل السلسلة بصورة «الزير».

إن هذه السلسلة تكشف عن آلية مهمة في إنتاج الصور النمطية: المجتمع يبدأ من خاصية مرئية، ثم يضيف إليها معنى، ثم يعيد تداول المعنى حتى يبدو وكأنه حقيقة طبيعية. وهنا يحدث ما يمكن تسميته تطبيع العلامة الاجتماعية؛ أي أن ما هو ثقافي ومكتسب يبدو كما لو كان طبيعيا وبيولوجيا. فالناس قد يتعاملون مع الرجل ذي الملامح الجذابة باعتباره أكثر قدرة على الإغواء، ليس لأن هناك دليلا على ذلك، وإنما لأن الثقافة سبق أن ربطت الجاذبية بقدرة معينة على النجاح في العلاقات.

وهذا بالضبط ما يجعل القضية ذات أهمية سوسيولوجية؛ لأن علم الاجتماع لا يسأل فقط عما إذا كانت الفكرة صحيحة، وإنما يسأل: كيف أصبحت هذه الفكرة ممكنة اجتماعيا؟ وكيف اكتسبت قدرتها على الإقناع والتداول؟ فربط لون العين بالسلوك العاطفي ليس حقيقة بيولوجية، لكنه حقيقة رمزية؛ والحقيقة الرمزية قد تكون شديدة القوة في تشكيل التوقعات والأحكام والعلاقات.
ومن هنا يحضر البعد الجندري بقوة. فالمجتمع لا يقرأ جسد الرجل وجسد المرأة بالطريقة نفسها، ولا يمنحهما الدلالات الأخلاقية نفسها. قد يتحول وصف الرجل بأنه «زير نساء» إلى مادة للمزاح أو التفاخر أو الإعجاب بقدرته على الاستمالة، حتى وإن ظل يحمل أحيانا دلالة نقدية؛ بينما قد يؤدي توصيف امرأة بسلوك مشابه إلى وصم اجتماعي أشد وطأة. إن الفعل المتشابه يمكن أن يخضع لتقييمات مختلفة تبعا لجنس الفاعل، وهو ما يكشف استمرار التفاوت في اقتصاد السمعة الجنسية والعاطفية.

وبذلك يصبح «زير النساء» ليس مجرد فرد ذي سلوك معين، وإنما موقعا داخل بناء اجتماعي للذكورة. فهناك ذكورة تقليدية ارتبطت بالقوة والحماية والقدرة الاقتصادية والسلطة الأسرية، وظهرت إلى جانبها، خصوصا في الثقافة الحضرية والإعلامية المعاصرة، ذكورة أخرى تستثمر في الوسامة والجسد والأناقة والقدرة على صناعة الانطباع. ومن ثم فإن الرجل المعاصر قد يجد نفسه أمام مجموعة متزايدة من متطلبات الأداء: أن يكون قويا، ناجحا، أنيقا، جذابا، حاضرا، وقادرا على التواصل والإغواء.

وهنا يمكن الحديث عن انتقال مهم من الذكورة الوظيفية إلى الذكورة الجمالية. لم يعد الجسد الذكوري مجرد أداة للعمل والقوة، بل أصبح موضوعا للعناية والاستثمار والعرض. الموضة الرجالية، العناية بالبشرة والشعر، العطور، اللياقة البدنية، التصوير، وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الجراحة والتجميل في بعض الحالات، كلها تؤكد أن الرجل دخل هو الآخر بصورة متزايدة في اقتصاد الصورة.

وتتضاعف هذه الظاهرة مع التحول الرقمي؛ إذ لم يعد الجسد يعرض فقط في المجال الواقعي، وإنما أصبح يعيش داخل فضاء دائم من التصوير والمشاركة والتعليق والتقييم. الصورة الشخصية في مواقع التواصل، زاوية التصوير، الإضاءة، الملابس، تعبير الوجه، وحتى لون العين يمكن التحكم في مظهره من خلال العدسات والفلاتر والمعالجة الرقمية. وبذلك انتقلنا من الجسد المعطى إلى الجسد القابل للتصميم، ومن الجمال باعتباره خاصية إلى الجمال باعتباره مشروعا.

وهذا التحول يطرح سؤالا استشرافيا مهما: إذا كانت «العين الخضراء» أو «العين الزرقاء» قد شكلت في المخيال التقليدي علامة على الندرة والجاذبية، فإن التكنولوجيا المعاصرة تجعل إنتاج هذه العلامة ممكنا تقريبا لأي شخص. فالعدسات والفلاتر والذكاء الاصطناعي وتقنيات تعديل الصور تجعل الحدود بين الجسد الحقيقي والجسد المعروض أكثر التباسا. وقد ننتقل مستقبلا من سؤال «كيف يبدو جسد الرجل؟» إلى سؤال أكثر تعقيدا: كيف صنعت الصورة التي يظهر بها هذا الجسد؟

لكن الخطر السوسيولوجي يكمن في أن تتحول العلامة إلى حكم نهائي على الفرد. فأن يكون الرجل وسيما أو ذا عينين فاتحتين لا يعني أنه «زير نساء»، كما أن الرجل الذي لا يمتلك هذه السمات لا يعني بالضرورة أنه أقل جاذبية أو أقل قدرة على بناء العلاقات. إن اختزال السلوك في المظهر يمثل شكلا من أشكال التنميط الجسدي، حيث يصبح الجسد مدخلا لإطلاق أحكام على الأخلاق والشخصية. وهذا التنميط قد يبدو بسيطا ومضحكا في الحياة اليومية، لكنه يكشف في العمق عن آلية اجتماعية أوسع تتمثل في تحويل الاختلاف الجسدي إلى تصنيف للشخصية.
والأكثر إثارة أن الفرد نفسه قد يتبنى هذه الصورة أو يعيد إنتاجها. فالرجل الذي يكتشف أن مظهره يجذب الانتباه قد يستثمر فيه، وقد تصبح النظرة التي يوجهها الآخرون إليه جزءا من تصوره لذاته. هنا ننتقل من الجسد الذي يقرأه الآخرون إلى الجسد الذي يتعلم كيف يجعل نفسه قابلا للقراءة. ويصبح الرأسمال الجسدي، بالتالي، ليس مجرد امتياز خارجي، وإنما موردا يمكن للفرد أن يوظفه في بناء هويته وعلاقاته وموقعه داخل الجماعة.

كما تكشف هذه الظاهرة عن العلاقة المعقدة بين الجسد والحقيقة الاجتماعية. فالناس لا يتعاملون فقط مع ما هو موجود، وإنما مع ما يعتقدون أنه موجود. وقد يكون الاعتقاد نفسه ذا نتائج واقعية؛ فإذا اعتقدت الجماعة أن رجلا «زير نساء» بسبب مظهره، فقد تتغير طريقة تعاملها معه، وقد يصبح موضع مراقبة أو مزاح أو غيرة أو إعجاب، وقد تؤثر هذه التفاعلات بدورها في صورته عن نفسه. وهنا تتجسد إحدى الآليات الأساسية في علم الاجتماع: التمثلات لا تعكس الواقع فقط، وإنما تشارك في إنتاجه.

ومن ثم فإن «عينو خضرا» و«عينو زرقا» تصلحان مدخلا مصغرا لدراسة سوسيولوجيا الجسد في المجتمع المغربي؛ لأنهما تكشفان كيف يتحول اللون إلى علامة، والعلامة إلى تمثل، والتمثل إلى حكم، والحكم إلى سمعة، والسمعة إلى هوية اجتماعية محتملة. كما تكشفان أن الجسد ليس حقيقة بيولوجية مكتملة المعنى، بل هو فضاء تتقاطع داخله الثقافة واللغة والجندر والجمال والسلطة والإعلام والتكنولوجيا.

إن المسألة لا تتعلق فعلا بلون العين، وإنما بما يضعه المجتمع داخل العين من معانٍ. فالعين الخضراء لا تقول إن الرجل «زير»، والعين الزرقاء لا تحمل في ذاتها شهادة على الإغواء؛ الذي يفعل ذلك هو المخيال الاجتماعي الذي يربط بين اللون والجمال، وبين الجمال والجاذبية، وبين الجاذبية والقدرة على الاستمالة، ثم يحول هذا الربط الثقافي إلى صورة تبدو وكأنها حقيقة طبيعية. ولذلك فإن العين هنا تصبح مرآة مزدوجة: مرآة يرى فيها الآخرون الرجل، ومرآة يرى فيها المجتمع نفسه وتمثلاته عن الجمال والذكورة والرغبة.

إن دراسة هذه العبارة الشعبية، إذن، تفتح سؤالا أوسع حول من يملك حق تعريف الجسد؟ ومن يحدد ما هو جذاب؟ وكيف يتحول الجسد الذكوري إلى رأسمال رمزي؟ ولماذا يُكافأ بعض أشكال السلوك الذكوري اجتماعيا بينما تُوصم سلوكيات مماثلة لدى النساء؟ وكيف تعيد المنصات الرقمية تشكيل هذه المعايير؟ ومن هنا تصبح «عينو خضرا» و«عينو زرقا» أكثر من مجرد تعبيرين دارجين؛ إنهما نافذتان على عالم كامل من التمثلات والانزياحات والتضادات، حيث لا نقرأ العين بقدر ما نقرأ من خلالها ثقافة المجتمع في النظر إلى الرجل، وإلى الجسد، وإلى الجاذبية، وإلى العلاقة بين المظهر والسلوك.

Related Articles

Back to top button