من التنظيم الذاتي إلى صراع الشرعيات : الاستقلالية والمصداقية في المشهد الصحافي المغربي


د هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
تكشف الانتخابات المرتقبة لممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة في 15 شتنبر 2026 عن أكثر من مجرد استحقاق مهني لتجديد تركيبة مؤسسة تنظيمية؛ فهي، من منظور سوسيولوجي، لحظة كثيفة الدلالة تعيد إلى الواجهة سؤال من يملك حق تمثيل الصحافيين؟ ومن يمنح مؤسسة التنظيم الذاتي شرعيتها؟ وما الحدود الفاصلة بين التنظيم المهني والاستقلالية، وبين القانون والسلطة، وبين الأخلاقيات والرقابة، وبين حرية الصحافة والحاجة إلى مساءلة الممارسة الصحافية؟
ومن ثم، فإن الحدث الانتخابي لا ينبغي اختزاله في عدد المترشحين، أو نمط الاقتراع، أو إجراءات الانتخاب والانتداب، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره لحظة لإعادة إنتاج الحقل الصحافي ذاته، بما يتضمنه من مواقع ومصالح ورأسمالات مهنية ورمزية وشبكات وعلاقات قوة وتمثلات متباينة حول معنى الاستقلالية وحدودها. فالانتخابات، في هذا المنظور، ليست فقط آلية لاختيار ممثلين، وإنما هي آلية لإنتاج الشرعية داخل حقل اجتماعي تتقاطع فيه الصحافة مع السياسة والقانون والاقتصاد والمجتمع المدني والتكنولوجيا والجمهور.
ويستمد هذا التحليل مشروعيته من تصور بيير بورديو للحقل باعتباره فضاء اجتماعيا تتنافس داخله فاعليات متعددة حول احتكار أشكال معينة من الرأسمال والشرعية. فالصحافي لا يتحرك داخل فضاء مهني محايد، وإنما داخل حقل صحافي تتصارع داخله الرأسمالية الاقتصادية مع الرأسمالية المهنية والرمزية، ويتقاطع فيه الاستقلال المهني مع شروط الملكية والتمويل والإشهار والتكنولوجيا والعلاقات مع مصادر الخبر ومراكز النفوذ. ولذلك فإن السؤال عن استقلالية المجلس الوطني للصحافة هو، في عمقه، سؤال عن استقلالية الحقل الصحافي نفسه، وعن قدرته على إنتاج قواعده المهنية وأخلاقياته وتمثيله لذاته دون أن يصبح مجرد امتداد لمصالح خارجية.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما نستحضر الجدل الذي رافق القانون الجديد المنظم للمجلس، والمواقف المتباينة التي انتقلت بين الرفض والمشاركة المشروطة أو المتحفظة. فمن منظور سوسيولوجي، لا ينبغي التعامل مع هذا التباين باعتباره مجرد خلاف سياسي أو قانوني، بل باعتباره تعبيرا عن أزمة في إنتاج الشرعية. فحين ترفض بعض التنظيمات المهنية الإطار القانوني، ثم تقرر في الوقت ذاته المشاركة في الانتخابات باعتبارها مجالا للنضال من الداخل، فإننا أمام شكل من أشكال البراغماتية المؤسساتية التي تعكس إدراك الفاعلين بأن المؤسسة، رغم الاعتراضات على شروط تأسيسها أو تنظيمها، تظل فضاء حاسما للصراع حول مستقبل المهنة.
وهنا تظهر مفارقة سوسيولوجية أساسية: يمكن أن تكون المؤسسة موضع اعتراض، وفي الوقت نفسه موضع تنازع قوي حول احتلال مواقعها. وهذه المفارقة تكشف أن الشرعية لا تحسم بمجرد النص القانوني، كما لا تحسم بمجرد الرفض السياسي؛ وإنما تنتج عبر الممارسة اليومية، والتمثيل، والمصداقية، وقدرة المؤسسة على إقناع المهنيين والجمهور بأنها تستجيب فعلا للحاجة الاجتماعية إلى صحافة مستقلة ومسؤولة.
ضمن هذه الزاوية، تكتسب تجربة الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير أهمية سوسيولوجية تتجاوز قيمتها التاريخية. فاستحضار هذه التجربة لا يعني بالضرورة الدعوة إلى استنساخ نموذج سابق، وإنما استعادة ذاكرة مؤسساتية تكشف أن التنظيم الذاتي يمكن أن ينبثق أيضا من المجتمع المهني والمدني، ومن إرادة الفاعلين أنفسهم، وليس حصرا من المبادرة القانونية والمؤسساتية الرسمية.
فالهيئة التي جمعت شخصيات مستقلة وصحافيين وناشرين وممثلين عن هيئات حقوقية وثقافية ومدنية، كانت تقدم تصورا للتنظيم يقوم على المسؤولية المشتركة. وهذه الفكرة بالذات ذات أهمية سوسيولوجية كبيرة؛ لأنها تنقل الأخلاقيات من كونها قواعد مفروضة من الخارج إلى كونها قواعد يشارك المهنيون في إنتاجها والالتزام بها.
وهو ما يقود إلى التمييز بين الضبط الخارجي والضبط الذاتي. فالضبط الخارجي يعتمد أساسا على القانون والعقوبة والمؤسسة، بينما يقوم الضبط الذاتي على الاعتراف الداخلي بالقواعد وعلى وجود سلطة مهنية ورمزية تستطيع التأثير في السلوك من خلال الإقناع والاحتكام إلى المعايير المهنية. وكلما تمكنت المهنة من بناء قواعدها من داخلها، ازدادت قدرتها على حماية استقلاليتها؛ وكلما عجزت عن ذلك، اتسع المجال لتدخل سلطات أخرى في تحديد ما ينبغي أن تكون عليه الممارسة الصحافية.
ومن هنا تتضح العلاقة العميقة بين أخلاقيات الصحافة وحرية الصحافة. فالأخلاق المهنية ليست نقيضا للحرية، كما أن الحرية ليست إعفاءً من المسؤولية. إنهما، سوسيولوجيا، آليتان متلازمتان لإنتاج الثقة. فالصحافة التي لا تحترم الدقة والموضوعية والتعددية وحق الأفراد في الكرامة قد تفقد ثقة الجمهور، والصحافة التي تحرم من الوصول إلى المعلومات أو تتعرض للإكراه قد تفقد قدرتها على أداء وظيفتها الاجتماعية.
وهنا يمكن استدعاء مفهوم يورغن هابرماس للفضاء العمومي لفهم وظيفة الصحافة باعتبارها وسيطا بين المجتمع ومؤسساته. فالصحافة لا تنقل الأحداث فقط؛ وإنما تسهم في بناء المجال الذي يتداول فيه المجتمع قضاياه ونزاعاته واختلافاته. ولذلك فإن تراجع استقلاليتها لا يمس الصحافيين وحدهم، بل يمس قدرة المجتمع على إنتاج نقاش عمومي عقلاني ومتعدد. إن المجلس الوطني للصحافة، من هذا المنظور، لا ينبغي النظر إليه باعتباره جهازا إداريا لتنظيم المهنة فحسب، وإنما باعتباره مؤسسة لإنتاج الشرعية المهنية. وهذه الشرعية لها مستويان متلازمان: شرعية داخلية مصدرها الصحافيون والناشرون والمهنيون، وشرعية خارجية مصدرها المجتمع والجمهور.
فقد تحصل المؤسسة على الشرعية القانونية من خلال القانون، لكنها قد تظل في حاجة إلى الشرعية الاجتماعية والمهنية. والقانون يمنح المؤسسة الوجود المؤسسي، لكنه لا يضمن بالضرورة المصداقية الاجتماعية. وهذه الأخيرة تبنى تدريجيا من خلال الممارسة، والاستقلالية، والإنصاف، والشفافية، والقدرة على معالجة الاختلالات المهنية دون انتقائية أو توظيف.
وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: من انتُخب؟ وإنما: كيف سيمارس المنتخبون تمثيلهم؟ هل سيتحولون إلى ممثلين فعليين للصحافيين؟ أم ستتحول التمثيلية إلى موقع جديد لإعادة إنتاج النخب المهنية؟ هل ستتسع المؤسسة أمام الأصوات المختلفة داخل الحقل الصحافي؟ وهل تستطيع تمثيل الصحافي المهني العامل في مؤسسة كبرى كما تمثل الصحافي في مؤسسة صغيرة أو الصحافة الجهوية أو الرقمية؟ وكيف ستتعامل مع التحولات التي أفرزتها المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وصحافة المواطن وتغير أنماط استهلاك الأخبار؟ هذه الأسئلة تضع مفهوم التمثيل المهني أمام اختبار حقيقي. فالانتخاب لا يصبح ديمقراطيا بالمعنى السوسيولوجي بمجرد إجراء الاقتراع، وإنما يصبح كذلك عندما يشعر الفاعلون بأن أصواتهم تتحول إلى سياسات وممارسات ومؤسسات.
يمكن هنا استحضار ماكس فيبر في تحليله لأنماط الشرعية، وخاصة التمييز بين الشرعية القائمة على القانون والشرعية التي تستند إلى الاعتقاد في مشروعية المؤسسة. فالمجلس قد يستند إلى شرعية قانونية، لكنه يحتاج إلى إنتاج شرعية رمزية ومهنية تجعل الصحافيين والجمهور ينظرون إليه باعتباره مؤسسة مستقلة وعادلة وذات كفاءة. وهذا ما يجعل المصداقية رأس مال رمزيا مركزيا داخل الحقل الصحافي. والمصداقية لا تنتج بالبلاغات وحدها، ولا بالنصوص القانونية وحدها، بل من خلال تراكم الممارسات. فكل قرار عادل، وكل تدخل مهني مستقل، وكل معالجة متوازنة لنزاع، وكل دفاع عن حرية الصحافة، وكل مساءلة مهنية نزيهة، يسهم في بناء هذا الرصيد. وبالمقابل، فإن الانتقائية أو الغموض أو تضارب المصالح أو الشعور بالتبعية يمكن أن يؤدي إلى تآكل هذا الرصيد بسرعة.
ومن منظور بورديو، يمكن القول إن المؤسسة مطالبة بتحويل الرأسمال القانوني الذي يمنحه لها التشريع إلى رأسمال رمزي تعترف به الجماعة المهنية والمجتمع. وهذه عملية ليست تلقائية، وإنما تحتاج إلى زمن وممارسة ومؤسسات للشفافية والمساءلة.
إن مفهوم الاستقلالية نفسه يحتاج إلى قراءة أكثر عمقا. فالاستقلالية ليست حالة مطلقة؛ إذ لا توجد مؤسسة مهنية تعمل في فراغ اجتماعي. الصحافة مرتبطة بالدولة والقانون والاقتصاد والسياسة والسوق والجمهور والتكنولوجيا. لذلك فإن السؤال ليس: هل الصحافة مستقلة بشكل مطلق؟ وإنما: ما درجة استقلاليتها؟ ومن أين تأتي الضغوط التي تحد من هذه الاستقلالية؟ وكيف تعيد المؤسسة المهنية إنتاج قدرتها على التفاوض معها؟ وهنا يمكن الاستفادة من نوربرت إلياس لفهم علاقات الاعتماد المتبادل بين الفاعلين. فالصحافي يعتمد على المؤسسة الإعلامية، والمؤسسة تعتمد على السوق والإشهار والجمهور، والجميع يحتاج إلى مصادر المعلومات، بينما تحتاج الدولة والمجتمع أيضا إلى وسائل الإعلام لأداء وظائف الاتصال والتفسير والتعبئة. إننا أمام شبكة كثيفة من علاقات الاعتماد المتبادل تجعل الاستقلالية عملية تفاوضية مستمرة وليست وضعا ثابتا.
كما يمكن استحضار ميشيل فوكو لفهم الجانب الآخر من المسألة: فالمؤسسات المهنية لا تنظم فقط السلوك، وإنما تنتج أيضا خطابا حول ما يعتبر “مهنيا”، وما يعتبر “منحرفا”، وما يعتبر “أخلاقيا” أو “غير أخلاقي”. ولذلك فإن سلطة تحديد المعايير المهنية ينبغي أن تكون موضوع مساءلة مستمرة، حتى لا يتحول التنظيم الذاتي من أداة لحماية المهنة إلى آلية لإنتاج الامتثال.
أما قرار بعض الفاعلين المشاركة رغم اعتراضهم على الإطار القانوني، فيمكن قراءته من خلال مفهوم المقاومة من داخل المؤسسة. فالمشاركة هنا لا تعني بالضرورة القبول، كما أن الرفض لا يعني بالضرورة الانسحاب. وقد تكون المشاركة استراتيجية للحفاظ على إمكانية التأثير في مسار المؤسسة من الداخل. وهذه الظاهرة معروفة في سوسيولوجيا المؤسسات: عندما يصبح الانسحاب مكلفا أو يفقد الفاعل إمكانية التأثير، قد يلجأ إلى الاندماج النقدي، أي المشاركة مع الاحتفاظ بالاعتراض، واستعمال المؤسسات نفسها مجالا لإعادة التفاوض حول قواعد اللعبة، وباعتبارها معركة على قواعد إنتاج القاعدة المهنية، وليس فقط معركة على المقاعد.
لكن التحدي الأعمق يتجاوز المجلس نفسه. فالمشهد الصحافي المغربي، كما يشير النص، يواجه سؤال الثقة. وهذه المسألة لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع المغربي: انتشار الشبكات الاجتماعية، تراجع احتكار المؤسسات التقليدية لإنتاج الخبر، صعود المؤثرين، انتشار المحتوى السريع، الخلط بين الخبر والرأي والإشهار، انتشار الأخبار الزائفة، وتغير علاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسات الإعلامية. لقد انتقل الجمهور من موقع المتلقي السلبي إلى موقع الفاعل والمعلق والناشر والمنتج للمحتوى. وهذا التحول أحدث خلخلة عميقة في السلطة الرمزية للصحافة التقليدية.
ومن هنا فإن أزمة الصحافة ليست فقط أزمة تنظيم أو قانون، وإنما هي أيضا أزمة وساطة اجتماعية. لقد أصبح الصحافي ينافس فاعلين جدد على وظيفة تفسير الواقع. وإذا لم تستعد الصحافة قدرتها على تقديم معلومة دقيقة وموثوقة وذات قيمة مضافة، فإن المسافة بينها وبين الجمهور ستتسع. إن المجلس الوطني للصحافة، في هذه الحالة، لا ينبغي أن ينظر إلى الأخلاقيات بوصفها مجرد قواعد تأديبية، وإنما باعتبارها بنية تحتية لإعادة بناء الثقة.
وتزداد المسألة تعقيدا مع الذكاء الاصطناعي. فالمهنة تواجه اليوم أسئلة لم تكن مطروحة بالحدة نفسها عند تأسيس كثير من قواعد الأخلاقيات التقليدية: من ينتج الخبر؟ من يتحقق من الصورة؟ كيف نميز المحتوى البشري عن المحتوى المولد آلياً؟ ما حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في التحرير؟ من يتحمل مسؤولية الخطأ؟ وكيف تحمى البيانات والمصادر؟ وما معنى “الأصالة” في عصر يمكن فيه إنتاج نص أو صورة أو فيديو خلال ثوان؟ وبذلك فإن إصلاح مدونة الصحافة والنشر لا ينبغي أن يكون مجرد تعديل تقني للقوانين، بل ينبغي أن يكون إعادة تأسيس اجتماعية وأخلاقية للمهنة تستجيب لتحول طبيعة السلطة الإعلامية نفسها.
إن الرهان ليس في المؤسسة وحدها، وإنما في علاقتها بالمجتمع. فالمجلس الذي ينجح في تنظيم العلاقة بين الصحافيين والناشرين، لكنه يفشل في استعادة ثقة الجمهور، يكون قد أنجز جزءاً فقط من مهمته الاجتماعية. فالصحافة، في جوهرها، مؤسسة للوساطة الاجتماعية. وهي تستمد قيمتها من قدرتها على إنتاج معرفة موثوقة حول المجتمع، ومراقبة السلطة، وفتح المجال للأصوات المتعددة، وتمثيل القضايا الاجتماعية، وكشف الاختلالات، وفي الوقت نفسه احترام كرامة الأشخاص وحقوقهم. ومن هنا فإن حرية الصحافة لا ينبغي أن تفهم فقط باعتبارها حقا للصحافي، وإنما باعتبارها حقا اجتماعيا للجمهور أيضا؛ لأن المجتمع الذي لا يستطيع الوصول إلى معلومات موثوقة يفقد جزءاً من قدرته على المشاركة والمساءلة وصناعة القرار.
إن النقاش الذي أطلقته انتخابات المجلس الوطني للصحافة يمكن، لذلك، أن يتحول من مجرد خلاف حول القانون إلى فرصة لبناء عقد اجتماعي جديد حول الصحافة. وهذا العقد لا ينبغي أن يكون اتفاقا بين المهنيين والدولة فقط، بل ينبغي أن يشمل الصحافيين والناشرين والسلطات العمومية والمجتمع المدني والباحثين والجمهور، مع استحضار الصحافة الجهوية والرقمية والمنصات الجديدة.
ويفترض هذا العقد إعادة تحديد ثلاث علاقات أساسية:
• علاقة الصحافي بالسلطة: بما يضمن الاستقلالية وحرية الوصول إلى المعلومات.
• علاقة الصحافي بالمهنة: بما يفرض احترام الأخلاقيات والدقة والمساءلة المهنية.
• علاقة الصحافي بالجمهور: بما يجعل حق المواطن في المعرفة أساسا للممارسة الصحافية وليس مجرد نتيجة ثانوية لها.
وهنا يمكن أن تصبح التجربة السابقة للهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير جزءا من الذاكرة المؤسسية للمهنة، لا باعتبارها نموذجا ينبغي استعادته حرفيا، وإنما باعتبارها دليلا على أن التنظيم الذاتي يمكن أن يكون أكثر قوة عندما ينبع من اقتناع الفاعلين أنفسهم، ويتأسس على التعددية، والاستقلالية، والمساءلة، والشراكة مع المجتمع المدني.
إن التحدي الحقيقي أمام المجلس في حلته الجديدة لن يكون فقط في تدبير الانتخابات أو تنظيم المهنة، وإنما في قدرته على الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن لمؤسسة تنظيمية أن تكون قوية دون أن تصبح مهيمنة، ومستقلة دون أن تصبح منعزلة، وأخلاقية دون أن تتحول إلى جهاز رقابة، وممثلة للمهنيين دون أن تنفصل عن المجتمع؟ ومن هذه الزاوية، فإن انتخابات 15 شتنبر 2026 يمكن أن تشكل لحظة اختبار حقيقية لانتقال التنظيم الذاتي للصحافة من مجرد شرعية قانونية إلى شرعية اجتماعية ومهنية ورمزية. فالمؤسسات لا تكتسب قوتها فقط من النصوص التي تؤسسها، وإنما من الثقة التي تنتجها، ومن قدرتها على إدارة الاختلاف، ومن استقلالها في ممارسة وظائفها، ومن شعور الفاعلين بأنهم شركاء في إنتاج قواعد المهنة وليسوا مجرد موضوع لها.
ولذلك فإن الإصلاح المستقبلي لا ينبغي أن يظل محصورا في قانون المجلس الوطني للصحافة، بل ينبغي أن يتجه إلى إعادة بناء منظومة الصحافة والنشر برمتها، بما يواكب التحول الرقمي، ويعالج هشاشة المهنة، ويعيد تعريف المسؤولية المهنية، ويضمن الحق في الوصول إلى المعلومات، ويقوي الصحافة الجهوية، ويضع قواعد واضحة للممارسة الإعلامية في البيئة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ويعيد الاعتبار للتكوين المستمر، ويؤسس آليات فعالة للشفافية وتدبير تضارب المصالح.
لا تقاس استقلالية الصحافة بعدد القوانين التي تحميها فقط، ولا بعدد المؤسسات التي تنظمها، وإنما بقدرتها الفعلية على إنتاج الحقيقة المهنية دون خوف، ومساءلة السلطة دون تبعية، وممارسة النقد دون تحامل، والاعتذار عن الخطأ دون مكابرة، والاحتكام إلى الأخلاق دون تحويلها إلى رقابة، واستعادة ثقة الجمهور دون التضحية بالاستقلالية. ومن ثم، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول من سيدخل المجلس الوطني للصحافة، وإنما حول أي صحافة نريد، وأي علاقة نريد أن نبنيها بين الصحافة والمجتمع والدولة، وأي نموذج للتنظيم الذاتي قادر على الصمود أمام التحولات العميقة التي أعادت تشكيل سلطة الإعلام في القرن الحادي والعشرين. إنها، في جوهرها، معركة على المعنى الاجتماعي للاستقلالية وعلى قدرة المهنة على تحويل التنظيم الذاتي من مجرد بنية مؤسساتية إلى ثقافة مهنية راسخة، ومن مجرد تمثيلية انتخابية إلى ممارسة ديمقراطية يومية، ومن مجرد أخلاقيات مكتوبة إلى مسؤولية اجتماعية حقيقية.



