

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
لا تعد أسماء الألوان في الثقافة المغربية مجرد ألفاظ تستعمل للدلالة على تدرجات لونية مختلفة، بل تمثل نظاما ثقافيا كاملا لإنتاج المعنى، ومرآةً تعكس الطريقة التي يرى بها المجتمع العالم ويؤوله. فاللون، في المنظور السوسيولوجي والأنثروبولوجي، ليس حقيقة فيزيائية فحسب، وإنما بناء اجتماعي ورمز ثقافي يتشكل داخل سياقات تاريخية ولغوية واقتصادية وجمالية. لذلك فإن لكل مجتمع “نظامه اللوني” الذي يعبر عن خبرته بالعالم، وليس فقط عن إدراكه البصري له.
إن المتأمل في القاموس المغربي التقليدي للألوان يكتشف أننا أمام معجم غني لا يقوم على التجريد، كما هو الحال في التصنيفات الحديثة، وإنما على التشبيه والاستعارة والتمثيل الحسي. فالمغربي لم يكن يقول “الأحمر” فقط، بل يقول “دم الغزال”، مستحضرا صورة كثيفة تجمع بين الحياة والقوة والجمال والندرة.
ولم يكن يكتفي بلفظ “البرتقالي”، وإنما يستحضره من خلال “الليتشيني”، أي لون الليمون، رابطا اللون بعالم الفلاحة والثمار والمائدة اليومية. أما البنفسجي فيصبح “القوقي”، والأصفر يتحول إلى “الخابوري” أو “الزيواني”، والرمادي إلى “الفاختي” أو “دخان المشين”، في حين تتكاثر أسماء أخرى مثل “قلب حموصة”، و”قلب بنانة”، و”الفجلي”، و”رأس الوقيدة”، و”العكري”، و”القرعي”، و”الخرشوفي”، و”اللوزي”، و”الزبيطي”، و”الفانيدي”… وهي أسماء لا تصف اللون فحسب، بل تستحضر عوالم كاملة من النبات والغذاء والبيت والأسواق والمهن والحياة اليومية.
هذه التسميات تكشف أن الثقافة المغربية لم تكن تنظر إلى اللون باعتباره قيمة مستقلة، بل باعتباره علاقة اجتماعية مع الأشياء. فاللون لا يعرَّف في ذاته، وإنما بما يحيل إليه من تجارب مشتركة. ومن هنا يصبح اللون جزءا من الذاكرة الجماعية، وليس مجرد وحدة فيزيائية قابلة للقياس.
لقد بين عالم الأنثروبولوجيا اللغوية برنت برلين واللغوي بول كاي في دراستهما الشهيرة حول المصطلحات اللونية أن المجتمعات لا تتطور جميعها بالطريقة نفسها في تسمية الألوان، وأن أسماء الألوان ليست معطى طبيعيا، بل تتأثر بدرجة تعقيد الثقافة وبنيتها الاجتماعية. غير أن الحالة المغربية تقدم خصوصية لافتة؛ إذ لم يكن الثراء نابعا من كثرة الألوان الأساسية، وإنما من كثافة المجاز الثقافي الذي يحول كل لون إلى قصة، وكل تسمية إلى تجربة معيشة.
ومن زاوية سيميائية، فإن هذه الأسماء تؤكد ما ذهب إليه رولان بارت حين اعتبر أن العلامات اليومية تحمل أنظمة دلالية كاملة تتجاوز وظيفتها المباشرة. فاللون في الثقافة المغربية علامة مزدوجة؛ فهو يدل على درجة لونية، وفي الوقت نفسه يستدعي منظومة رمزية واجتماعية. حين يقول الحرفي “الفاختي” فهو لا يصف مجرد رمادي، وإنما يستدعي لون الحمام وما يرتبط به من السكينة والألفة. وحين يقول “رأس الوقيدة” فإنه يستحضر لون النار بعد خمودها، أي لونا يحمل في داخله أثر الزمن والاحتراق. أما “قلب بنانة” أو “قلب حموصة” فلا يصفان لون الثمرة من الخارج، بل لونها الداخلي، بما يحمله ذلك من إحالة على الجوهر لا المظهر.
إن هذه التسميات تكشف أيضا عما يسميه بيير بورديو بـ”الهابيتوس”، أي أن الذوق الجمالي ليس اختيارا فرديا، بل هو نتاج تراكم اجتماعي طويل. فالحرفيون المغاربة، من نساجين وخياطين وصباغين وصناع الجلد والزليج، لم يطوروا قاموسهم اللوني اعتباطا، وإنما عبر احتكاك يومي بالمادة وبالضوء وبالأصباغ الطبيعية. لقد كانت أسماء الألوان جزءا من رأس مال مهني تنتقل مع الخبرة، وتشكل لغة داخلية بين أهل الصنعة، بحيث يصبح الاسم نفسه دليلا على الانتماء إلى عالم الحرفة.
ومن هنا نفهم لماذا كان معجم الألوان أكثر ثراء لدى الصناع من عامة الناس. فالخياط لا يرى اللون كما يراه المستهلك، والصباغ لا يميز بين درجتين فقط، بل بين عشرات الظلال الدقيقة التي تحتاج إلى أسماء تحفظها الذاكرة وتنقلها بين الأجيال. إننا أمام معرفة تقنية تحولت إلى تراث لغوي.
أما أنثروبولوجيا، فإن أسماء الألوان المغربية تؤكد الارتباط العميق بين الإنسان وبيئته. فالألوان تستمد أسماءها من النباتات والخضر والفواكه والحيوانات والنار والدخان والتراب والحبوب والأقمشة. وهذا يعني أن الطبيعة لم تكن مجرد محيط خارجي، بل كانت معجما حيا يبني به الإنسان لغته ويصوغ من خلاله إدراكه للعالم. فاللغة هنا ليست وصفا للطبيعة، وإنما استمرار لها داخل الثقافة.
غير أن هذا النظام الرمزي بدأ يتعرض اليوم إلى تآكل متسارع تحت تأثير العولمة اللغوية والثقافة الاستهلاكية. فمع هيمنة صناعة الموضة العالمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والإعلانات التجارية، أصبح القاموس اللوني المغربي يتراجع أمام مفردات هجينة مثل “نيود”، و”بورغندي”، و”فرومبواز”، و”طوب”، ” كريمي” وغيرها من الأسماء المستوردة التي دخلت إلى التداول دون أن تحمل الامتداد الثقافي الذي كانت تحمله الأسماء المحلية.
ولا تكمن المشكلة في تعلم لغات جديدة أو استعمال مصطلحات عالمية، فذلك جزء طبيعي من التفاعل الحضاري، وإنما في أن هذا التحول يؤدي تدريجيا إلى استبدال نظام رمزي كامل بآخر مختلف. إننا لا نفقد كلمات فحسب، بل نفقد طريقة خاصة في رؤية الأشياء، ونمطا من الذاكرة الجماعية، وجزءا من العلاقة الحميمية التي كانت تربط الإنسان المغربي ببيئته وبحرفته وبخياله.
ومن منظور سوسيولوجيا اللغة، فإن اختفاء أسماء الألوان التقليدية يمثل شكلا من أشكال التآكل الرمزي للهوية الثقافية. فاللغة ليست أداة للتواصل فقط، بل مستودع للذاكرة الجماعية، وكل مفردة تنقرض تحمل معها جزءًا من تاريخ المجتمع. لذلك فإن ضياع هذه التسميات يشبه ضياع أسماء النباتات المحلية أو الأمثال الشعبية أو أسماء الأدوات التقليدية؛ إنها خسارة لرأس مال رمزي راكمته أجيال متعاقبة.
الهيمنة لا تمارس بالقوة وحدها، وإنما أيضا عبر فرض أنماط جديدة من الذوق والتسمية والتصنيف. ومن هذا المنطلق، فإن انتشار الأسماء الأجنبية للألوان ليس مجرد تحول لغوي بريء، بل يعكس انتقال موازين الشرعية الجمالية من المرجعية المحلية إلى المرجعية العالمية، بحيث يصبح الاسم الأجنبي أكثر قدرة على إنتاج الإحساس بالحداثة والرقي، حتى وإن كان أفقر دلالة من الاسم المغربي.
إن الدفاع عن هذه التسميات ليس موقفا فولكلوريا ولا حنينا رومانسيا إلى الماضي، بل هو دفاع عن التنوع الثقافي وعن حق المجتمع في الاحتفاظ بقواميسه الرمزية الخاصة. فكما نفتخر بالقفطان، والجلابة، والرزة، والزليج، والبلغة، والموسيقى الأندلسية، والطبخ المغربي، ينبغي أن نفتخر أيضا بلغتنا اللونية التي صاغها الصناع والحرفيون والفلاحون والنساء داخل البيوت والأسواق عبر قرون طويلة.
إن أسماء الألوان المغربية ليست مجرد مفردات منسية، بل هي متحف لغوي مفتوح، وأرشيف بصري للذاكرة الوطنية، وخرائط رمزية تختزن علاقة الإنسان المغربي بالأرض والطبيعة والجسد والمهنة والذوق. وإحياؤها لا يعني رفض الحداثة، وإنما يعني أن ندخل العصر ونحن نحمل معنا لغتنا الخاصة، لا أن ندخله وقد فقدنا أحد أكثر وجوه هويتنا رهافة وعمقا.
فالأمم لا تعرف فقط بما تنتجه من عمران أو اقتصاد، بل أيضا بالطريقة التي تسمي بها العالم. وحين يمتلك مجتمع عشرات الأسماء للون الواحد، فإنه لا يكشف عن ثراء معجمه اللغوي فقط، بل يكشف عن حضارة كانت ترى في كل لون تجربة إنسانية، وفي كل تسمية ذاكرة، وفي كل مفردة قطعة صغيرة من هويتها الجماعية.



