فن وثقافة

حين يتحول الوطن إلى فضاء للعبور

انهيار الثقة وإعادة إنتاج ثقافة الهجرة في المجتمع المغربي

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

لا يمكن اختزال مشاهد اندفاع مئات الشباب المغاربة نحو البحر، أو الصور التي توثق وصول بعضهم إلى سبتة وهم يرفعون شارة النصر، في مجرد رد فعل عاطفي أو مغامرة فردية أو انحراف ظرفي فرضته البطالة والفقر. فهذه الصور ليست حدثا معزولا، وإنما تمثل لحظة كاشفة لتحول سوسيولوجي عميق أصاب علاقة الشباب بالدولة والمجتمع والسياسة، بل وأعاد صياغة مفهوم الوطن نفسه داخل المخيال الجماعي.

إن أخطر ما تكشف عنه هذه المشاهد ليس الرغبة في الهجرة، وإنما انهيار الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يصنع داخل الحدود الوطنية. فحين يختار الإنسان المخاطرة بحياته في عرض البحر، فإنه لا يكون قد اتخذ قرارا جغرافيا بالانتقال من ضفة إلى أخرى، بل يكون قد حسم، قبل ذلك، قرارا رمزيا بالانسحاب من المجال الاجتماعي الذي لم يعد يرى فيه إمكانية لتحقيق ذاته. وهنا تتحول الهجرة من فعل اقتصادي إلى موقف وجودي، ومن استراتيجية للترقي الاجتماعي إلى إعلان ضمني بفشل المجتمع في إنتاج الأمل.

لقد اعتادت المقاربات التقليدية تفسير الهجرة بعوامل اقتصادية مباشرة، كضعف فرص الشغل أو تدني الدخل، غير أن هذه القراءة لم تعد كافية لفهم الظاهرة في سياقها الراهن. فلو كانت الهجرة مرتبطة بالفقر وحده، لما وجدنا آلافا من خريجي الجامعات، وحملة الشهادات العليا، وأصحاب الكفاءات التقنية، يضعون الهجرة في مقدمة مشاريعهم الحياتية. إن ما يغادر الوطن اليوم ليس فقط فائض اليد العاملة، وإنما يغادره أيضا فائض الطموح الذي لم يجد مؤسسات قادرة على احتضانه.

وهذا ما يجعل الأزمة في جوهرها أزمة ثقة أكثر منها أزمة موارد، وأزمة اعتراف أكثر منها أزمة دخل. فالفرد لا يطالب فقط بوظيفة، بل يطالب بأن يشعر بأن جهده سيقابله استحقاق، وأن كفاءته ستتحول إلى موقع اجتماعي، وأن القانون سيحمي حقه، وأن المؤسسات ستتعامل معه باعتباره مواطنا لا رقما انتخابيا أو حالة اجتماعية.

إن المجتمع لا يستمر فقط بما ينتجه من ثروة، وإنما بما ينتجه من معنى. وعندما تعجز المؤسسات عن إنتاج معنى للانتماء، يصبح الانتماء نفسه قابلا للتفاوض، وتصبح الهجرة شكلا من أشكال إعادة التفاوض مع الوطن.

ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا التحول لم تصنعه الأوضاع الاقتصادية وحدها، بل ساهمت في إنتاجه مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وعلى رأسها المدرسة. فالمؤسسة التعليمية، التي يفترض أن تكون الحاضنة الأولى للهوية الوطنية، أصبحت، من حيث لا تقصد أحيانا، تعيد إنتاج سردية اجتماعية تجعل النجاح مرادفا للخروج من الوطن. فالعديد من النصوص والقصص والتمثلات التربوية تقدم الشخص الناجح باعتباره ذلك الذي تابع دراسته في أوروبا أو أمريكا واستقر هناك وحقق ذاته في مجتمعات أخرى، بينما تغيب النماذج التي تربط النجاح بالمساهمة في بناء المجتمع الوطني.

إن المدرسة هنا لا تعلم التلميذ القراءة والكتابة فقط، بل تصنع خياله الاجتماعي. وهي حين تكرر الاحتفاء بالمهاجر الناجح أكثر من احتفائها بالمواطن الذي بنى نجاحه داخل بلده، فإنها تسهم، دون وعي، في تحويل الهجرة من خيار استثنائي إلى معيار للنجاح الاجتماعي. ومع الزمن، يتكون لدى الأجيال تصور مفاده أن المستقبل الحقيقي يوجد خارج الحدود، وأن الوطن ليس سوى مرحلة انتقالية في السيرة الذاتية.

غير أن المدرسة ليست سوى حلقة داخل منظومة أوسع تشارك فيها الأسرة، والإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، والخطاب اليومي، حيث تتراكم الرسائل الرمزية التي تجعل الغرب يمثل فضاء الفرص، بينما يمثل الوطن فضاء الانتظار. وهكذا تتكون لدى الشباب خريطة ذهنية جديدة لا تقسم العالم بين شمال وجنوب، بل بين فضاء يمنح الاعتراف وفضاء يؤجل الاعتراف.

في هذا السياق، يصبح من الخطأ الاعتقاد بأن الشباب يعيش أزمة اهتمام بالسياسة. فالحقيقة أن أغلبهم لم يعد يعتبر السياسة أداة لتغيير المجتمع أصلا. إن اهتمامه الأول ليس الانخراط الحزبي، ولا إنتاج الإيديولوجيات، ولا التنافس حول البرامج، وإنما البحث عن شروط حياة كريمة، وعدالة اجتماعية، ومؤسسات تحترم الاستحقاق، وسوق شغل يكافئ الكفاءة.
لقد فقدت السياسة، في وعي قطاعات واسعة من الشباب، وظيفتها التاريخية باعتبارها آلية لتدبير الصالح العام، وتحولت إلى مجال مغلق يعيد إنتاج النخب نفسها، ويعيد توزيع الامتيازات داخل شبكات المصالح والقرابة والزبونية. ومع تكرار مشاهد الفساد، وضعف النجاعة، وغياب المحاسبة، أصبحت السياسة، بالنسبة إلى كثيرين، لا تمثل أفقا للتغيير، وإنما تمثل جزءا من الأزمة نفسها.

وهنا تظهر واحدة من أخطر المفارقات السوسيولوجية؛ فحين تفقد السياسة مشروعيتها الأخلاقية، فإنها لا تتوقف عن جذب الأفراد، بل يتغير فقط الدافع إلى دخولها. فلم يعد كثير من الشباب ينظرون إلى السياسة باعتبارها رسالة عمومية، وإنما باعتبارها موردا اقتصاديا، ورأسمالا اجتماعيا، ومسارا للصعود الطبقي.

إنهم لا يدخلون المجال السياسي لإصلاحه، بل يدخلونه لأنهم أدركوا أن هذا المجال نفسه أصبح إحدى الآليات الأكثر قدرة على إنتاج الامتيازات. وهكذا تتحول الممارسة السياسية من التزام مدني إلى استثمار اجتماعي، ومن فضاء للمنافسة حول الأفكار إلى فضاء للمنافسة حول الموارد. وبدل أن يعيد الشباب إنتاج السياسة، تعيد السياسة إنتاجهم وفق قواعدها القائمة، فيصبحون جزءا من البنية التي كانوا ينتقدونها.

أما الذين لا يمتلكون الرأسمال الاجتماعي أو الاقتصادي أو الشبكات الزبونية التي تسمح لهم بالولوج إلى هذه الدوائر، فإنهم يبحثون عن مسارات أخرى للصعود. هنا تظهر الهجرة بوصفها بديلا وظيفيا للسياسة، لا لأنها تحقق فقط دخلا أفضل، بل لأنها تمنح ما لم تعد المؤسسات الوطنية قادرة على منحه: الاعتراف، والجدارة، وإمكانية بناء المستقبل.

ومن هنا يمكن فهم تعدد استراتيجيات الخروج من الوطن. فهناك من يختار الدراسة في الخارج وهو يخطط منذ البداية لعدم العودة، وهناك من يسلك الهجرة القانونية، وهناك من يغامر عبر طرق غير نظامية، وهناك من يعيش داخل المغرب بجسده بينما يعيش بخياله ومستقبله في الخارج. إنها جميعا تعبيرات مختلفة عن الظاهرة نفسها، أي عن انتقال مركز الأمل من الداخل إلى الخارج.

لقد أصبح الخارج، في المخيال الاجتماعي، رأسمالا رمزيا قائما بذاته. فمجرد الحصول على تأشيرة، أو قبول جامعي، أو عقد عمل، أو إقامة أجنبية، صار يمثل لدى فئات واسعة شكلا من أشكال الاعتراف الاجتماعي، حتى قبل تحقيق أي نجاح فعلي. وهكذا لم تعد قيمة الخارج فيما يوفره من دخل فقط، وإنما فيما يمنحه من مكانة ورمزية داخل المجتمع الأصلي.

إن أخطر ما أنتجته الأزمة ليس ارتفاع معدلات الهجرة، بل إعادة تعريف النجاح نفسه. فالنجاح لم يعد يقاس بمدى مساهمة الفرد في تنمية وطنه، وإنما بقدرته على مغادرته. وهنا يتحول الوطن، بصورة غير واعية، من غاية إلى وسيلة، ومن فضاء للإنجاز إلى محطة انتظار، بينما يتحول الخارج إلى الغاية النهائية للمسار الاجتماعي.

وتكتسب الصور التي تظهر بعض الشباب وهم يرفعون شارة النصر بعد الوصول إلى سبتة دلالة رمزية عميقة. فهي لا تعبر بالضرورة عن انتصار على الوطن، وإنما عن انتصار على الشعور بالعجز الذي لازمهم داخله. إنها لحظة يعيد فيها الفرد تعريف ذاته باعتبارها قادرة على اختراق الحدود التي عجزت المؤسسات عن فتحها أمامه. ولذلك فإن إدانة هذه الصور أخلاقيا، دون فهم شروط إنتاجها اجتماعيا، لا تقدم أي تفسير حقيقي للظاهرة.

إن الوطنية ليست مجرد خطاب تعبوي، بل هي علاقة ثقة متبادلة بين الفرد والدولة. فكلما شعر المواطن بأن القانون يحميه، وأن الكفاءة تكافأ، وأن العدالة متاحة، وأن المؤسسات تشتغل لخدمته، تعزز انتماؤه الوطني. أما عندما يشعر بأن مستقبله رهين الوساطة أو الزبونية أو الريع أو الحظ، فإن العلاقة بالوطن تدخل تدريجيا مرحلة من التآكل الصامت، حتى وإن ظل الفرد يعلن تعلقه الرمزي به.
وفي هذا الإطار تكتسب التوجيهات الملكية، التي أكدت أن كرامة المواطن والثقة والأمل هي جوهر التنمية، أهمية سوسيولوجية بالغة، لأنها تعيد توجيه النقاش من منطق المؤشرات الاقتصادية المجردة إلى منطق بناء الثقة الاجتماعية. غير أن هذه الثقة لا تنتجها الخطب ولا البرامج وحدها، وإنما تنتجها التجربة اليومية للمواطن مع المدرسة، والإدارة، والقضاء، وسوق الشغل، والمؤسسات المنتخبة.
إن المجتمعات لا تنهار حين يقل دخلها فقط، وإنما حين تفقد قدرتها على إقناع شبابها بأن المستقبل ممكن داخلها. ولذلك فإن أخطر أشكال الفساد ليس اختلاس المال العام فحسب، بل اختلاس الأمل الجماعي، لأن سرقة الأمل تدفع الإنسان إلى البحث عن وطن بديل، حتى وإن كان ذلك على متن قارب هش أو في طريق مجهول.

إن مواجهة الهجرة لا تبدأ عند السواحل ولا عند الأسلاك الحدودية، وإنما تبدأ حيث يتشكل وعي الطفل، وحيث يتعلم معنى المواطنة، وحيث يختبر الشاب لأول مرة عدالة المؤسسة أو ظلمها. فالهجرة ليست السبب، بل النتيجة؛ وليست المرض، بل العرض الأكثر وضوحا لخلل أعمق أصاب العقد الاجتماعي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم لا يتمثل فقط في الحد من الهجرة، بل في إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وفي استعادة السياسة لوظيفتها الأخلاقية باعتبارها أداة لإنتاج العدالة لا لتوزيع الامتيازات، وإعادة الاعتبار للمدرسة باعتبارها مؤسسة لصناعة الانتماء لا لتغذية ثقافة المغادرة، وإرساء نموذج تنموي يجعل النجاح ممكنا داخل الوطن قبل أن يكون ممكنا خارجه.

فالمجتمع الذي يتحول فيه البحر إلى أفق، والخارج إلى حلم، والسياسة إلى مورد، والمدرسة إلى محطة عبور، لا يعاني من أزمة قطاعية، بل يعيش أزمة حضارية في إنتاج المعنى. ولا يمكن تجاوز هذه الأزمة إلا بإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الجدارة، والإنصاف، والكرامة، والثقة، حتى يستعيد الوطن مكانته بوصفه فضاء لتحقيق الذات، لا مجرد نقطة انطلاق نحو الضفة الأخرى.

Related Articles

Back to top button