نخب” ليلة الانتخابات.. مدرسة التكوين ومشتل الدولة


بقلم: محمد العايدي الإدريسي( متخصص في السياسات الاستراتيجية)
كنا نؤمن، وجيلٌ كاملٌ معنا، أن السياسة مسارٌ يُبنى بالجهد، وليس صفقةً تُبرم في الغرف المغلقة. دخلنا هذا العالم من أبوابه الطبيعية والمشروعة: من داخل أسوار الجامعات، والجمعيات والمنظمات الشبابية والطلابية، تدرجنا؛في الفروع المحلية، وصقلتنا النقاشات داخل الأجهزة الإقليمية والجهوية والوطنية. حملنا أفكار أحزابنا، وتشربنا أدبياتها، وشاركنا في مؤتمراتها ومهرجاناتها خطوة بخطوة.
وفي تلك المرحلة، لم يكن العمل الشبابي ترفاً أو مجرد أنشطة موسمية، بل كان مشتلاً حقيقياً للدولة؛ منه تخرجت كفاءات وطنية تقلدت أرفع المسؤوليات الحكومية والخاصة بناءً على رصيد حقيقي من التكوين والتدافع الفكري. كنا نخرج إلى المهرجانات الدولية للشباب والطلبة كجبهة شبابية وطنية موحدة، نحمل همّ قضيتنا الوطنية الأولى (الوحدة الترابية للمملكة) على أكتافنا. كانت المعارك الدبلوماسية تُخاض في ممرات تلك المؤتمرات العالمية، حيث يحرص الشباب المغربي، بوعيه السياسي الحاد، على التصدي لأطروحات الانفصال، ومنع إقحام “الجمهورية الوهمية”، والقتال الفكري لتأتي البيانات الختامية منصفة لعدالة قضيتنا. لقد كانت الشبيبات الحزبية والطلابية في صلب الدبلوماسية الموازية، تُذكي الوعي، وتصنع قادة الغد.
العبث الأخلاقي وسوق التزكيات
أما اليوم، فللأسف افتقدنا هذا الزخم بالكامل. وبات المشهد في حالات كثيرة يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، ليصل إلى حد العبث الأخلاقي والسياسي.
إنه لمن العبث الأخلاقي حقاً، أن نأتي في آخر ساعة بوافد جديد – حتى وإن كان يمتلك كفاءة تدبيرية كبيرة – لوضعه مباشرة في المكاتب السياسية المقررة و الأجهزة التقريرية العليا للحزب. ومع اقتراب الاستحقاقات، تُفتح له الأبواب وتُمنح له التزكيات، وكأن سنوات التنظيم والتأطير والالتزام الأخلاقي، وسنوات الملاحم النضالية في الدفاع عن قضايا الوطن التي قضاها المناضلون، يمكن اختصارها في “بطاقة انخراط” تُطبع على عجل قبل موعد الاقتراع.
المشكلة الحقيقية تكمن في تحول الحزب من مدرسة لإنتاج النخب وتأطير المواطنين ودبلوماسية موازية حية، إلى مجرد مظلة انتخابية جاهزة، وحين يصبح التدرج والنضال والالتزام أقل قيمة من النفوذ والجاهزية المالية والانتخابية. هذه السلوكات لا تخدم الديمقراطية في شيء، بل إنها تؤخر بلادنا وتعرقل مسارها، لا سيما وأن المغرب قطع أشواطاً كبيرة ومكاسب تاريخية في مسار بناء دولة الحق والقانون والتموقع داخل المنظومة الكونية لحقوق الإنسان والتطور المجتمعي.
معادلة الاستقرار وصناعة “الجيل المعطوب”
إن الديمقراطية التشاركية لم تولد من فراغ، بل هي نتاج صراع ونضالات مريرة خاضها شرفاء هذا البلد، غايتهم الوحيدة والأسمى: الوطن أولاً، وتحت ظلال ملكية وطنية جامعة وموحدة لكل المغاربة. هذا الاستقرار السياسي المتفرد الذي تنعم به بلادنا في محيط إقليمي وعربي مضطرب، وتلك السمعة الدولية المرموقة التي نحظى بها، هي نتاج “ثورة ملك وشعب” متجددة في كل المحطات؛ سيرورة تاريخية ساهمت فيها الأحزاب الوطنية بمسؤولية، بتناغم تام مع رؤية ملكية متواترة ومتبصرة تؤمن بالتطور التدريجي للمجتمع.
لذلك، فإن هذا الغياب السياسي والتميع الذي نشهده اليوم في مسلسل البناء الديمقراطي لا يخدم مصالح البلاد في شيء، بل ينتج لعبة هجينة تتآكل مع الأيام والسنين. والخطورة الكبرى هنا تكمن في أن مهندسي هذه اللعبة الهجينة أغفلوا لُبّ الديمقراطية وجوهرها الحقيقي: الإنسان المغربي.
بسبب هذه الممارسات، يتم تخريب الوعي السياسي من المنبع؛ من البيت، والمدرسة، والجامعة. وحين يرى الشباب أن الكفاءة والنضال والالتزام والوطنية الصادقة لا قيمة لها أمام النفوذ وجاهزية اللحظة الأخيرة، فإننا نساهم جماعياً في إنتاج “جيل معطوب سياسياً”؛ جيل فاقد للثقة، مستقيل من الشأن العام، ومغترب داخل وطنه.
الأحزاب ليست ضيعات خاصة
بناءً على هذا الوضع، ينبغي القطع نهائياً مع هذه السلوكات. وعلى الأمناء العامين للأحزاب أن يستوعبوا جيداً أنهم لا يسيرون “ضيعات خاصة” يتصرفون فيها بمنطق العطايا والهبات؛ بل يقودون مؤسسات دستورية تستفيد من الدعم العمومي والمال العام لتأطير المواطنين وإنتاج النخب. وبالتالي، لا يحق لهم ممارسة هذا العبث. إن الاستمرار في هذا النهج سيحول الأزمة من مجرد صراع تنظيمي حزبي، إلى مشكلة دولة تمس في الصميم منسوب الثقة والاستقرار.
إن السياسة التي تُختصر في ليلة انتخابية، لا يمكنها أبداً أن تبني ثقةً دامت لسنوات. ديمقراطيتنا بحاجة إلى استعادة روحها، وإعادة الاعتبار للمناضل الحقيقي وللإنسان المغربي، لأن قضايا الوطن الكبرى وبناء دولة الحق والقانون لا يتحققان بالصفقات ولحظات العبث، بل بالمسارات الصادقة والمسؤولية الأخلاقية والالتزام بالثوابت الوطنية الحية.
خاتمة: المغرب ليس عقيماً
لذلك كله، نقولها بملء الفيه: ثقوا في نخبنا الحزبية المتدرجة في صفوف الشباب المناضل، وجنّبوا البلاد مغبة الانتهازية السياسية والاختلالات البنيوية الهدّامة، فالمغرب ليس عقيماً. كنا قديماً – في أدبيات الحركة الوطنية – نردد بثقة أن “الاستقلالية ليست بحيرة راكدة ، او كتاباً مقفلاً”، ونقول اليوم بيقين راسخ إن هذا وطنٌ ولّاد؛ فالأرض التي أنجبت ملوكاً عظاماً لازالت تجري بذكرهم الركبان وصنعوا أمجاد الأمة، وأنجبت “النبوغ المغربي” الفذ في شتى العلوم، قادرة بلا شك على إنجاب عباقرة وكاريزما السياسة ، من رحم العمل الوطني الصادق. هاته هي المسؤولية التاريخية والأخلاقية الملقاة اليوم على عاتق الأحزاب الوطنية التي خرجت من رحم المجتمع، وعليها وحدها أن تختار بين أن تكون مشتلاً للعبقرية الوطنية، أو دكاكين للانتهازية العابرة.



