الموت بين القداسة والبيروقراطية:قراءة سوسيولوجية في اختلالات تدبير الفضاء الجنائزي بمقبرة الشهداء


د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع
لا يمكن النظر إلى ما يثار حول مقبرة الشهداء بالرباط باعتباره مجرد اختلال إداري معزول أو مشكلة تقنية مرتبطة بتنظيم عمليات الدفن، بل يمثل مؤشرا سوسيولوجيا دالا على طبيعة العلاقة التي تربط المجتمع بالمرافق المرتبطة بالموت، وعلى الكيفية التي تتقاطع فيها السلطة والرمز والاقتصاد داخل فضاء يفترض أنه من أكثر الفضاءات قداسة وحماية من منطق المصالح والمنافع.
فالمقبرة ليست مجرد مكان لدفن الأجساد، وإنما مؤسسة اجتماعية ورمزية تنتج معاني جماعية حول الكرامة والذاكرة والانتماء. وقد بين إميل دوركايم أن المجتمعات لا تكتفي بتنظيم حياة أفرادها، بل تعمل أيضا على تنظيم علاقتها بالموتى، لأن الطقوس الجنائزية تؤدي وظيفة أساسية في إعادة إنتاج التضامن الاجتماعي وتجديد الروابط الجماعية في مواجهة الصدمة التي يحدثها الموت. ومن هذا المنظور، فإن أي خلل يصيب تنظيم فضاءات الدفن لا يمس فقط الجانب الإداري، بل يطال أحد الأسس الرمزية التي تقوم عليها الجماعة.
إن الشكايات المتعلقة بغياب الوضوح حول هوية الأشخاص المكلفين بالدفن، وافتقارهم إلى علامات تعريفية واضحة، تطرح سؤال الشرعية داخل الفضاء الجنائزي. فوفق تحليل ماكس فيبر، لا تستقيم المؤسسات إلا حين تستند إلى قواعد واضحة تحدد المسؤوليات والاختصاصات. وعندما يصبح المواطن غير قادر على التمييز بين العامل الرسمي والفاعل غير الرسمي، فإن المجال يتحول إلى منطقة رمادية تتراجع فيها الثقة ويزداد فيها احتمال انتشار الممارسات غير المنظمة. إن غياب اللباس الموحد أو بطاقات التعريف لا يمثل مجرد تفصيل شكلي، بل يعكس أزمة في إنتاج الشرعية المؤسساتية داخل فضاء حساس يتطلب أعلى درجات الوضوح والانضباط.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الشكايات المرتبطة بالمبالغ المالية المطلوبة من أسر الموتى من خلال مفهوم “اقتصاد الحداد”. فالموت، رغم طابعه الإنساني والروحي، لا ينفصل عن شبكة من العلاقات الاقتصادية والخدماتية التي تنشأ حوله. غير أن الخطورة تظهر عندما تنتقل هذه العلاقات من إطارها القانوني والمؤسساتي إلى منطق التفاوض غير الشفاف. ففي لحظات الحزن والانكسار النفسي تكون الأسر في وضعية هشاشة تجعلها أقل قدرة على الاعتراض أو المطالبة بالتوضيحات، وهو ما يحول الحداد إلى مجال قابل للاستغلال الرمزي والمادي. هنا يتحول الألم الإنساني إلى مورد اقتصادي غير معلن، وتصبح المعاناة نفسها موضوعاً للتبادل والمساومة.
ويقدم بيير بورديو إطارا تفسيريا مهما لفهم هذه الوضعية من خلال مفهوم “العنف الرمزي”. فالعنف لا يمارس دائماً بالقوة المباشرة، بل قد يتخذ أشكالا ناعمة وغير مرئية تجعل الأفراد يقبلون ممارسات معينة بسبب الظروف الاجتماعية والنفسية المحيطة بهم. وفي سياق المقبرة، قد تجد الأسر نفسها مضطرة للاستجابة لمطالب مالية أو تنظيمية غير واضحة خوفا من تعطيل إجراءات الدفن أو المساس بحرمة الميت، فتتحول العلاقة إلى شكل من أشكال الخضوع الرمزي الذي يفرضه السياق أكثر مما تفرضه القواعد القانونية.
كما أن ما يجري داخل بعض المقابر يكشف عن مفارقة عميقة في تدبير المجال العمومي بالمجتمعات المعاصرة. فبينما تخضع الأسواق والإدارات والمرافق المختلفة لمساطر للمراقبة والتقييم، تظل بعض فضاءات الموت بعيدة نسبيا عن النقاش العمومي والمساءلة المجتمعية، وكأن الموت يضع نهاية للاهتمام الإداري كما يضع نهاية للحياة البيولوجية. غير أن المقبرة، من منظور سوسيولوجي، ليست هامشا للمجتمع بل هي امتداد له؛ إذ تعكس مستوى الحكامة والشفافية والثقة السائدة داخله. ولذلك فإن الطريقة التي يدفن بها الموتى تقول الكثير عن الطريقة التي ينظم بها المجتمع نفسه.
وإذا استحضرنا تحليلات ميشيل فوكو حول السلطة وتدبير الأجساد، فإن المقبرة تمثل أحد الفضاءات التي تستمر فيها السلطة في تنظيم الأجساد حتى بعد الموت. فاختيار أماكن الدفن، وتحديد المساطر، وضبط العاملين، وتنظيم الزيارات، كلها آليات تعكس حضور الدولة والمؤسسات داخل المجال الجنائزي. وعندما يضعف هذا التنظيم أو يصبح غامضا، فإن فراغ السلطة الرسمية يفسح المجال أمام سلطات موازية وشبكات غير واضحة قد تستفيد من هشاشة الرقابة ومن حساسية اللحظة الجنائزية.
إن القضية المطروحة اليوم لا تتعلق فقط بمحاسبة أفراد أو معالجة تجاوزات ظرفية، بل تقتضي التفكير في نموذج شامل لحكامة المقابر باعتبارها مرافق عمومية ذات بعد أخلاقي ورمزي وإنساني. فالمطلوب ليس فقط اعتماد لباس موحد أو بطاقات تعريف، رغم أهمية ذلك، وإنما بناء منظومة شفافة تحدد المسؤوليات، وتوضح الرسوم والخدمات، وتضمن آليات للمراقبة والتبليغ، وتحول المقبرة إلى فضاء للكرامة لا مجال فيه للغموض أو الارتجال.
بالمجمل، فإن المجتمعات تقاس أحيانا بالطريقة التي تعامل بها أضعف فئاتها، لكنها تقاس أيضا بالطريقة التي تكرم بها موتاها. وحين تتحول المقبرة إلى موضوع للشكايات والاحتجاجات والأسئلة حول الشفافية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحرمة الأموات، بل بصورة المجتمع عن ذاته، وبمدى قدرته على حماية القيم الأخلاقية والمؤسساتية في أكثر اللحظات الإنسانية حساسية. فكرامة الموتى ليست شأنا جنائزيا فحسب، بل هي مرآة لكرامة الأحياء ولمستوى التحضر الذي بلغته الجماعة في إدارتها للحياة والموت معاً.



