أراضي كيش الأوداية:صراع الذاكرة والاعتراف في زمن التحولات العمرانية


د. هشام بوقشوش – باحث في علم الاجتماع
لا يمكن اختزال ملف أراضي كيش الأوداية في كونه نزاعا عقاريا أو خلافا قانونيا حول الملكية والتعويض، لأن ذلك يعني اختزال ظاهرة اجتماعية مركبة في بعدها الإداري أو القضائي فقط. فهذه القضية تمثل، في جوهرها، إحدى أكثر القضايا دلالة على التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي في علاقته بالأرض والمجال والسلطة، كما تكشف عن التوتر الكامن بين منطق التنمية الحضرية المتسارعة ومنطق الحقوق التاريخية والرمزية للجماعات المحلية. ومن ثم فإن ما يجري لا يتعلق فقط بمن يملك الأرض، بل بمن يملك الحق في تعريف معناها وتحديد وظيفتها وموقعها داخل الذاكرة الجماعية والمستقبل العمراني للمدينة.
لقد ارتبطت أراضي كيش الأوداية تاريخيا بعقد رمزي بين الدولة وجماعة اجتماعية اضطلعت بأدوار عسكرية وسياسية في مراحل مختلفة من تاريخ المغرب. وفي هذا السياق لم تكن الأرض مجرد ملكية قابلة للتداول أو موردا اقتصاديا للإنتاج والعيش، بل كانت شكلا من أشكال الاعتراف السياسي الذي منحته الدولة لجماعة معينة نظير أدوارها التاريخية. ولذلك فإن الأرض اكتسبت مع مرور الزمن قيمة تتجاوز بعدها المادي لتصبح خزانا للذاكرة الجماعية وعنوانا للانتماء ومصدرا للمكانة الاجتماعية.
ومن هنا تكتسب القضية عمقها السوسيولوجي؛ إذ لا يشعر ذوو الحقوق بأنهم يدافعون فقط عن عقار أو تعويض مالي، بل عن تاريخ اجتماعي كامل يرون أنه مهدد بالتآكل أو النسيان. فالأرض بالنسبة إليهم ليست مساحة جغرافية صامتة، وإنما سجل حي للذاكرة الجماعية، وامتداد مادي لهوية جماعية تشكلت عبر أجيال متعاقبة. ولهذا فإن أي مساس بها يدرك بوصفه مساسا بمكانة الجماعة نفسها وبحقها في الاعتراف بتاريخها ودورها داخل المجتمع.
في هذا الإطار، تسمح لنا تحليلات بيير بورديو بفهم الأرض باعتبارها شكلا من أشكال الرأسمال الرمزي بقدر ما هي رأسمال اقتصادي. فالقيمة الحقيقية للأرض لا تكمن فقط فيما تدره من عوائد مالية، بل فيما تمنحه من مكانة اجتماعية وشرعية تاريخية وإحساس بالانتماء. وعندما تفقد الجماعة أرضها أو قدرتها على التحكم في مصيرها، فإنها لا تخسر موردا ماديا فحسب، بل تفقد جزءا من رأسمالها الرمزي الذي راكمته عبر التاريخ. لذلك فإن الشعور بالظلم لا ينبع فقط من الخسارة الاقتصادية، بل من الإحساس بأن الجماعة تفقد تدريجيا موقعها المعترف به داخل الفضاء الاجتماعي.
ويتقاطع هذا التحليل مع نظرية الاعتراف لدى أكسيل هونيث، الذي يرى أن الصراعات الاجتماعية الحديثة لم تعد تدور فقط حول توزيع الثروة، بل حول الاعتراف والكرامة والمكانة الاجتماعية. فمن منظور المتضررين، لا تتمثل المشكلة الأساسية في فقدان الأرض وحدها، بل في الشعور بأن معاناتهم وتجاربهم وذاكرتهم الجماعية لا تحظى بالاعتراف الكافي. وحين يشعر الأفراد بأن تاريخهم أصبح غير مرئي داخل السياسات العمومية، يتحول الإحساس بالحرمان المادي إلى إحساس أعمق بالإقصاء الرمزي وسوء الاعتراف.
وتزداد هذه الدينامية وضوحا إذا وضعنا الملف في سياق التحولات العمرانية التي عرفتها الرباط وتمارة خلال العقود الأخيرة. فمع التوسع الحضري وارتفاع القيمة العقارية للأراضي المحيطة بالمدن الكبرى، أصبحت هذه المجالات موضوع رهانات اقتصادية واستثمارية ضخمة. وهنا تبرز أهمية ما سماه ديفيد هارفي بـ”التراكم عبر نزع الملكية”، أي ذلك المسار الذي تتحول فيه الأراضي من فضاءات للعيش وإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية إلى موارد استراتيجية تخضع لمنطق الاستثمار وإعادة التقييم الاقتصادي. ففي مثل هذه السياقات تصبح الأرض مجالا للتنافس بين منطق السوق ومنطق الذاكرة، وبين مقتضيات التنمية ومتطلبات العدالة.
إن ما يمنح ملف كيش الأوداية خصوصيته هو أنه يجسد هذا التوتر بصورة واضحة؛ فبينما تنظر المؤسسات إلى المجال باعتباره وعاء للتخطيط العمراني والتنمية والاستثمار، ينظر إليه السكان بوصفه فضاء للانتماء والذاكرة والحق التاريخي. ولذلك لا يمكن فهم الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة باعتبارها مجرد رفض لإجراءات معينة، بل بوصفها تعبيرا عن صراع أعمق حول تعريف المجال نفسه: هل هو مجرد أصل عقاري قابل لإعادة التوظيف، أم فضاء اجتماعي وثقافي يحمل ذاكرة جماعة كاملة؟
وفي هذا السياق تكتسب الوقفات الاحتجاجية والمسيرات والاعتصامات معنى يتجاوز بعدها المطلبي المباشر. فهي ليست فقط وسائل للضغط من أجل الحصول على التعويض أو التسوية، بل هي أيضا أفعال رمزية تسعى إلى إعادة إنتاج الوجود الجماعي داخل الفضاء العمومي. فحين تحتج الجماعة، فإنها لا تطالب فقط بحقوق مادية، بل تؤكد أنها ما تزال موجودة وترفض أن تتحول إلى مجرد موضوع إداري داخل ملفات التخطيط العمراني.
وتكشف الأحداث الأخيرة المرتبطة باعتقال عدد من المحتجين ثم الإفراج عنهم لاحقا عن تعقيد العلاقة بين الدولة والمجتمع في مثل هذه الملفات. فمن جهة، يوجد منطق مؤسساتي يعتبر الحفاظ على النظام العام وتنفيذ القرارات العمومية أولوية ضرورية لاستمرار الدولة ونجاعة السياسات العمومية. ومن جهة أخرى، يوجد منطق اجتماعي يرى أن الاحتجاج يصبح أحيانا الوسيلة الوحيدة المتاحة لإسماع صوت الفئات التي تشعر بالتهميش أو بعدم الإنصاف. وبين هذين المنطقين تتشكل منطقة رمادية تصبح فيها القضية أكثر من مجرد خلاف قانوني، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على إنتاج الثقة الاجتماعية.
ومن زاوية أخرى، يكشف مشهد مساهمة أفراد القبيلة داخل المغرب وخارجه في جمع مبالغ الكفالات عن استمرار قوة التضامن الاجتماعي داخل الجماعة. فهذه التعبئة لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها استجابة مالية لحاجة ظرفية، بل باعتبارها تعبيرا عن إعادة تنشيط شبكات الانتماء والقرابة في مواجهة الإحساس المشترك بالتهديد. إنها لحظة تستعيد فيها الجماعة وحدتها الرمزية وتعيد تأكيد تماسكها الداخلي أمام ما تعتبره خطرا يطالها جميعا.
وتقودنا هذه المعطيات إلى مفهوم “العنف الرمزي” عند بورديو. فحين يشعر الأفراد بأن معاناتهم تختزل في أرقام وملفات وإجراءات تقنية، يتولد لديهم إحساس بأن التجربة الإنسانية التي عاشوها قد جرى تهميشها أو تجاهلها. وفي هذه الحالة تظهر فجوة بين الشرعية القانونية والشرعية الاجتماعية؛ إذ قد تكون القرارات منسجمة مع القواعد القانونية، لكنها لا تنجح بالضرورة في إنتاج الإحساس بالعدالة لدى الفئات المعنية بها. وهنا يكمن أحد أهم مصادر التوتر في القضايا المرتبطة بالأرض والتهجير وإعادة الإسكان.
كما يحيل هذا الملف إلى سؤال أوسع يتعلق بما يسميه هارفي “الحق في المدينة”. فهذا الحق لا يعني فقط الاستفادة من الخدمات أو السكن، بل يعني أيضا المشاركة في صياغة مستقبل المجال والاستفادة العادلة من التحولات التي يعرفها. وعندما يشعر السكان بأنهم يتحملون الكلفة الاجتماعية للتنمية دون أن يكونوا شركاء حقيقيين في ثمارها، فإن التنمية نفسها تتحول، في وعيهم، من مشروع للتقدم إلى مصدر لإنتاج أشكال جديدة من اللامساواة.
إن ما يجعل قضية كيش الأوداية تستمر في الذاكرة الجماعية ليس فقط طول أمدها، بل لأنها تعكس إحدى المفارقات الكبرى للتحديث العمراني المعاصر: فكلما توسعت المدن وارتفعت قيمتها الاقتصادية، برزت بقوة أسئلة العدالة والإنصاف والاعتراف. فالتنمية ليست مجرد بناء طرق ومشاريع وعقارات، بل هي أيضا بناء للثقة الاجتماعية وضمان لعدم تحول بعض الفئات إلى ضحايا صامتة لمسارات التحديث.
لذلك فإن ملف كيش الأوداية يمثل، في عمقه، صراعا حول الاعتراف بقدر ما هو صراع حول الملكية، وصراعا حول العدالة المجالية بقدر ما هو نزاع حول الأرض. إنه يكشف أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإعادة توزيع العقار أو التعويض عنه، بل بإعادة بناء التوازن بين مقتضيات التنمية وحقوق السكان، وبين شرعية القرار وشرعية الشعور بالإنصاف. فحين تنجح السياسات العمومية في تحقيق هذا التوازن، تتحول التنمية إلى مصدر للاندماج الاجتماعي؛ أما حين يغيب، فإن المجال نفسه يصبح فضاء لإعادة إنتاج التوتر والاحتجاج وإحساس الفئات المتضررة بأن ثمن التقدم يدفع من مستقبلها وذاكرتها أكثر مما يدفع من موارد الدولة.



