فن وثقافة

المسن في المجتمع المغربي: من مكانة الحكمة إلى سؤال العبء الاجتماعي؟

د. هشام بوقشوش/ باحث في علم الاجتماع

لا ينبغي أن يتحول الاحتفال باليوم العالمي للمسن، في الأول من أكتوبر، إلى مجرد مناسبة رمزية لاستحضار فئة عمرية تستدعى في الخطاب العمومي كلما تعلق الأمر بالرعاية أو التضامن أو الإحسان، ثم تعود إلى هامش الاهتمام بمجرد انتهاء المناسبة. فالمسن في المجتمع المغربي ليس رقما ديموغرافيا، ولا جسدا يحتاج إلى الرعاية فقط، ولا فردا انتهت وظيفته الاجتماعية بمجرد خروجه من سوق العمل، وإنما هو موقع اجتماعي وثقافي ورمزي يتقاطع داخله الماضي بالحاضر، والذاكرة بالتجربة، والاعتماد بالاستقلالية، والهشاشة بالقدرة على المشاركة.

ومن ثم، فإن سؤال الشيخوخة في المغرب لم يعد سؤالا يتعلق بكيفية “رعاية المسنين” فقط، بل أصبح سؤالا حول نوع المجتمع الذي نريد أن نكونه عندما نكبر، وحول الكيفية التي نريد أن يعاملنا بها المجتمع عندما تتراجع قدرتنا الإنتاجية ويظل حقنا في الكرامة والمشاركة والاعتراف قائما.

وتكتسب هذه المسألة راهنيتها من التحول الديموغرافي المتسارع الذي يعرفه المغرب. فقد ارتفعت نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر من 9.4% سنة 2014 إلى 13.8% سنة 2024، أي ما يقارب خمسة ملايين شخص، بحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024. كما يشير المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الشيخوخة أصبحت من أبرز التحولات الديموغرافية التي تفرض إعادة التفكير في الصحة والحماية الاجتماعية والسكن والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية والخدمات العمومية. وهذه الأرقام لا تعني فقط أن عدد المسنين يرتفع؛ إنها تعني أن المجتمع المغربي نفسه يعاد تشكيله عمريا، وأن علاقة الأجيال ببعضها البعض ستصبح إحدى القضايا المركزية في المستقبل الاجتماعي للمغرب.

لقد كان المسن، في جزء مهم من المخيال الاجتماعي المغربي التقليدي، يحتل موقعا يتجاوز عمره البيولوجي. كان العمر يمنحه رأسمالا رمزيا؛ فالتجربة والمعرفة والذاكرة والوساطة والقدرة على النصح والتحكيم والمشاركة في اتخاذ القرار كانت عناصر تجعل من الشيخ فاعلا داخل الأسرة والجماعة والحي والقبيلة والمؤسسة الدينية والاجتماعية.

ولم تكن الشيخوخة مجرد انتقال بيولوجي من مرحلة إلى أخرى، بل كانت انتقالا في المكانة الاجتماعية. فكلما تقدم الإنسان في العمر، لم يكن بالضرورة يفقد قيمته الاجتماعية، بل كان ينتقل إلى أدوار جديدة. وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي ينبغي أن تستوقف السوسيولوجيا المغربية: هل انتقلنا من مجتمع كانت فيه الشيخوخة مصدرا للرأسمال الرمزي إلى مجتمع أصبح فيه العمر، في بعض السياقات، مصدرا للهشاشة الاجتماعية؟

لا يعني ذلك أن المجتمع المغربي فقد قيم التضامن، أو أن الأسرة المغربية تخلت عن المسن. مثل هذا التعميم سيكون غير دقيق. فما تزال الأسرة تؤدي أدوارا أساسية في الإسناد والرعاية، وما تزال قيم البر والاحترام والتكافل حاضرة في الخطاب والممارسة. لكن المشكلة السوسيولوجية تكمن تحديدا في التناقض بين استمرار القيم في الخطاب وتحول شروط ممارستها في الواقع.

فالعائلة التي كانت ممتدة جغرافيا واجتماعيا أصبحت أكثر نووية، والهجرة الداخلية والخارجية أبعدت الأبناء عن الوالدين، وارتفاع كلفة السكن والحياة والعمل والرعاية جعل التضامن الأسري أكثر كلفة، كما أدى تغير أدوار النساء، باعتبارهن الفاعل التقليدي الأساسي في أعمال الرعاية غير المؤدى عنها، إلى إعادة توزيع مسؤوليات العناية داخل الأسرة.

وهنا يظهر أحد أبرز الانزياحات: انتقال الرعاية من كونها التزاما اجتماعيا مشتركا إلى كونها عبئا خاصا على الأسرة. وعندما تصبح الرعاية عبئا، يبدأ المسن نفسه في إعادة تعريف ذاته باعتباره عبئا على الآخرين. وهذه ليست مسألة اقتصادية فقط؛ إنها عملية نفسية اجتماعية عميقة. فالإنسان الذي كان يعطي يصبح محتاجا إلى من يعطيه، والذي كان يتخذ القرار يصبح أحيانا في حاجة إلى من يتخذ القرار نيابة عنه، والذي كان يعيل يصبح معتمدا على غيره.

وهنا يمكن أن يظهر ما يمكن تسميته سوسيولوجيا بـ “قلق التحول في المكانة”: الخوف ليس فقط من المرض أو الموت، وإنما من فقدان الدور، ومن أن يصبح حضور الفرد داخل الأسرة مرتبطا بحاجته إلى الآخرين لا بقدرته على الإسهام.
ومن هذه الزاوية، فإن قلق المسن المغربي من المستقبل لا ينبغي اختزاله في الخوف من المرض أو الفقر أو الوحدة. إنه قلق مركب يتشكل من الخوف من فقدان الاستقلالية، والخوف من التهميش، والخوف من التحول إلى موضوع للرعاية، والخوف من فقدان القرار، والخوف من أن يصبح الأبناء منشغلين بحياتهم الخاصة، والخوف من ألا تعود الخبرة التي راكمها طوال حياته ذات قيمة في مجتمع سريع التغير. إن المسن لا يسأل فقط: من سيعتني بي؟ وإنما قد يسأل، بصورة أكثر عمقا: هل سأظل شخصا له مكانة، أم سأتحول إلى شخص تجب رعايته؟

وهنا بالذات ينبغي التمييز بين مفهومين: “رعاية المسن” و”إدماج المسن”. الرعاية تفترض وجود شخص محتاج وشخص أو مؤسسة تقدم له المساعدة؛ أما الإدماج فيفترض أن الشخص، رغم تغير قدراته، لا يزال فاعلا وصاحب حق وصاحب خبرة ومشاركة.

الرعاية قد تكون ضرورية، لكنها تصبح مشكلة حين تختزل الإنسان فيها. ولذلك فإن المجتمع الذي ينظر إلى المسن من زاوية المرض والعجز والحماية فقط، يمارس نوعا من الاختزال الاجتماعي للشيخوخة؛ فهو لا يرى الإنسان إلا من خلال ما فقده، ولا يرى ما لا يزال يمتلكه من معرفة وخبرة وذاكرة وقدرة على التعليم والوساطة والمشاركة والإنتاج الثقافي والاجتماعي.

وهذا ما يجعل مقاربة إرفينغ غوفمان للوصم الاجتماعي مفيدة في فهم بعض تمثلات الشيخوخة؛ إذ يمكن أن يتحول العمر نفسه إلى علامة اجتماعية يستنتج منها الآخرون مسبقا الضعف أو البطء أو عدم القدرة على التعلم أو عدم ملاءمة العصر الرقمي. وفي المقابل، يمكن الاستفادة من بيير بورديو لفهم كيفية تحول الرأسمال الذي يمتلكه الفرد عبر حياته إلى رأسمال غير مرئي عندما تتغير قواعد الحقل الاجتماعي
.
فخبرة عقود من العمل قد لا تمنح صاحبها المكانة نفسها التي تمنحها الشهادات الجديدة أو المهارات الرقمية أو القدرة على التكيف مع أنماط التواصل الحديثة. وهكذا لا يختفي الرأسمال الاجتماعي والثقافي للمسن بالضرورة، وإنما قد يصبح غير قابل للتحويل داخل الحقول الجديدة.

أما نوربرت إلياس فيسمح لنا بفهم جانب آخر من المسألة: إن التعامل مع الشيخوخة والموت يكشف درجة قدرة المجتمع على التعامل مع هشاشته الخاصة. فالمجتمع الذي يخفي الشيخوخة ويبعد المرض والموت إلى مؤسسات متخصصة قد يكون في الوقت نفسه بصدد إبعاد الأسئلة التي تثيرها الشيخوخة عن المجال اليومي. ومن هنا يمكن فهم ظاهرة وضع المسن أحيانا في “مؤسسة” باعتبارها ليست مجرد اختيار تنظيمي، وإنما تعبيرا عن تحول أعمق في علاقة المجتمع بالهشاشة والموت والاعتماد المتبادل.

إن التضاد الأساسي هنا هو بين ثقافة تقول للمسن: أنت محترم، وممارسة قد تقول له: أنت لم تعد ضروريا. هناك فرق بين الاحترام الرمزي والاعتراف الاجتماعي. فالاحترام قد يأخذ شكل كلمات جميلة وصور احتفالية وهدايا موسمية، بينما الاعتراف يعني أن تكون للمسن إمكانية حقيقية في التعبير والتقرير والمشاركة والتعلم والعمل التطوعي والحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية. ومن هنا فإن السؤال السوسيولوجي لا ينبغي أن يكون: “كيف نحمي المسن؟” فقط، وإنما: كيف نعيد بناء شروط الاعتراف به كفاعل اجتماعي؟

والمفارقة أن الدولة نفسها تبدو واعية بهذا التحول على المستوى الرسمي؛ فالبرنامج الوطني المندمج للنهوض بأوضاع الأشخاص المسنين 2021–2030 يتحدث صراحة عن الاستقلالية والمشاركة والرعاية والكرامة وتحقيق الذات، ويتضمن محورا خاصا بالمشاركة السياسية والاجتماعية والثقافية للأشخاص المسنين، إلى جانب الحماية الاجتماعية والبيئة الداعمة وتطوير المعرفة والإطار التشريعي. وهذا مهم سوسيولوجيا لأنه يدل على أن الخطاب المؤسساتي الرسمي لا يختزل الشيخوخة في الرعاية؛ غير أن السؤال الأهم يظل سؤال الانتقال من السياسة المعلنة إلى التجربة اليومية للمسن.
فوجود برنامج أو استراتيجية لا يعني بالضرورة أن المسن يشعر بأنه حاضر في المجال الاجتماعي. وهنا يظهر ما يمكن تسميته “الفجوة بين الاعتراف المؤسساتي والاعتراف المعاش”. قد تعترف المؤسسة بالمسن بوصفه صاحب حق، بينما لا يجد هذا الاعتراف طريقه إلى الخدمات اليومية، أو إلى النقل، أو إلى الفضاء الحضري، أو إلى الصحة، أو إلى الثقافة، أو إلى التكنولوجيا، أو إلى المشاركة في الحياة العامة. ولذلك فإن تقييم السياسة الاجتماعية الخاصة بالمسنين ينبغي ألا يقاس بعدد البرامج فقط، بل بقدرة هذه البرامج على تحويل حياة المسن من وضعية الانتظار إلى وضعية المشاركة.

وتتضاعف المشكلة حين تدخل الفردانية الحديثة إلى علاقة الأجيال. والفردانية هنا لا ينبغي فهمها باعتبارها شرا مطلقا؛ فقد منحت الفرد استقلالية أكبر ووسعت حقوقه واختياراته وحررته من بعض أشكال الوصاية الجماعية. لكن الوجه الآخر للفردانية قد يتمثل في إعادة تنظيم المسؤوليات على أساس “أنا أولا”، بحيث تصبح الأسرة أقل استعدادا لتحمل التزامات طويلة الأمد لا تتوافق مع إيقاع الحياة المهنية والاستهلاكية والسكنية الجديدة. عندها قد يصبح المسن ضحية غير مباشرة لتحول لم يكن موجها ضده أصلا.

إن التغير لا يحدث فقط في الأسرة، بل في اقتصاد الرعاية نفسه. فمن كان يقوم بالرعاية؟ ومن يؤدي ثمنها؟ ومن يملك الوقت لها؟ ومن يتحمل العمل العاطفي المصاحب لها؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى أن الشيخوخة ليست قضية اجتماعية منفصلة عن قضايا العمل والمرأة والصحة والسكن والحماية الاجتماعية والهجرة والتحضر والتحول الرقمي. إن المسن يوجد في نهاية سلسلة طويلة من القرارات والسياسات والمسارات الحياتية التي تبدأ قبل بلوغه الستين بسنوات طويلة.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن شيخوخة الفقر ليست مثل شيخوخة الرفاه، وشيخوخة المرأة ليست مثل شيخوخة الرجل، وشيخوخة القرية ليست مثل شيخوخة المدينة. فالتجربة العمرية تتقاطع مع الطبقة والمجال والجندر والمسار المهني والوضع العائلي والتعليم والصحة والدخل. وقد أكد تقرير المندوبية السامية للتخطيط حول الأشخاص المسنين، انطلاقا من معطيات إحصاء 2024، أن الشيخوخة المغربية تتسم بفوارق اجتماعية ومجالية واقتصادية وصحية، وأنها تطرح قضايا تتجاوز الرعاية إلى المشاركة والإدماج والوصول إلى الخدمات والحقوق.

وفي المجال القروي، قد تظل روابط القرابة والتضامن أكثر حضورا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المسن أكثر أمانا؛ فالبعد عن الخدمات الصحية والاجتماعية، وضعف النقل، والهجرة الشبابية، كلها يمكن أن تنتج أشكالا مختلفة من العزلة. أما في المدينة، فقد يعيش المسن وسط كثافة بشرية هائلة لكنه يعاني من الوحدة الاجتماعية. وهنا نكتشف مفارقة المدينة الحديثة: يمكن أن يكون الإنسان محاطا بالناس ومفتقدا للعلاقات. لذلك فإن العزلة ليست بالضرورة غياب الآخرين، بل غياب العلاقة ذات المعنى.

ومن أخطر التحولات التي تستحق الدراسة كذلك التحول من “المسن المنتج” إلى “المسن المستهلك للخدمة”. ففي المجتمع الصناعي والاقتصاد الحديث، تقاس القيمة كثيرا بالإنتاجية. وحين يتقاعد الفرد، قد يفقد جزءا من الرأسمال الاقتصادي المرتبط بعمله، ثم يبدأ المجتمع في النظر إليه من خلال حاجته إلى المعاش والصحة والرعاية. وهنا تظهر مشكلة معيارية عميقة: إذا كانت قيمة الإنسان تقاس بما ينتجه اقتصاديا، فماذا يحدث لقيمته عندما يصبح الإنتاج الاقتصادي أقل حضورا في حياته؟

إن الإجابة السوسيولوجية تقتضي تحرير مفهوم القيمة الاجتماعية من اختزاله في العمل المأجور. فالمسن يمكن أن ينتج ذاكرة، ومعرفة، وتربية، ووساطة، وتطوعا، وخبرة، ورأسمالا اجتماعيا، ودعما عاطفيا، ونقلا للثقافة بين الأجيال. لكن هذه الأشكال من الإنتاج لا تظهر دائما في الحسابات الاقتصادية الرسمية. ولذلك فإن أحد تحديات السياسات الاجتماعية المغربية هو الانتقال من تصور المسن باعتباره “تكلفة اجتماعية” إلى اعتباره رأسمالا اجتماعيا وثقافيا متراكما.

ومن هنا أيضا تتضح مسؤولية المجتمع المدني. فالجمعيات يمكن أن تؤدي دورا يتجاوز تقديم المساعدة المباشرة نحو خلق فضاءات المشاركة والتعلم بين الأجيال والعمل التطوعي والأنشطة الثقافية والرقمية. غير أن المجتمع المدني نفسه قد يقع، من حيث لا يقصد، في منطق “الإحسان إلى المسن” بدل تمكينه. والفرق بين المنطقين جوهري: الأول يجعل المسن موضوعا للعطاء، والثاني يجعله شريكا في إنتاج الحلول.

أما الأحزاب السياسية، فإن قضية المسنين تكشف بدورها سؤالا حول تمثيل الفئات العمرية في المجال السياسي. فالمسنون ليسوا مجرد كتلة انتخابية محتملة، بل مواطنون لهم مطالب تتعلق بالصحة والنقل والسكن والدخل والثقافة والفضاء العام والرقمنة والعدالة بين الأجيال. وعندما تتحول القضية إلى مجرد وعود انتخابية مرتبطة بالمعاش أو الدعم، فإنها تختزل المسن في موقع المستفيد بدل المواطن. والمطلوب هو إدماج الشيخوخة في النقاش السياسي باعتبارها قضية تتعلق ببنية المجتمع المستقبلية.
وتبدو الحكومة، من جهتها، أمام انتقال تاريخي من نموذج “الحماية من مخاطر الشيخوخة” إلى نموذج “بناء مجتمع ملائم لكل الأعمار”. فالحماية الاجتماعية ضرورية، لكن الحماية وحدها لا تكفي. إن الإنسان يحتاج إلى دخل، لكنه يحتاج أيضا إلى معنى؛ يحتاج إلى طبيب، لكنه يحتاج كذلك إلى علاقات؛ يحتاج إلى مسكن، لكنه يحتاج إلى فضاء اجتماعي؛ يحتاج إلى الرعاية، لكنه يحتاج إلى الاستقلالية؛ يحتاج إلى الحماية من العنف والإهمال، لكنه يحتاج أيضا إلى الاعتراف.
ولذلك فإن مستقبل السياسة الاجتماعية للمسنين في المغرب ينبغي أن يقوم على التحول من سياسة الرعاية إلى سياسة دورة الحياة. فالمسن الذي نراه اليوم هو نتيجة مسار طويل من التعليم والعمل والزواج والهجرة والتنشئة والصحة والسكن والدخل. وبالتالي فإن سياسة الشيخوخة تبدأ قبل الشيخوخة نفسها. وكلما كان المجتمع أكثر عدالة في مراحل الحياة السابقة، كانت الشيخوخة أقل هشاشة.
ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم سوسيولوجي مركزي هو “الحق في الشيخوخة الفاعلة”؛ أي حق الإنسان في أن يكبر دون أن يفقد مكانته الاجتماعية، وأن ينتقل من العمل إلى ما بعد العمل دون أن ينتقل من المواطنة إلى التهميش، وأن يحصل على الرعاية دون أن يفقد الاستقلالية، وأن يستفيد من الحماية دون أن يتحول إلى موضوع دائم للحماية.
الشيخوخة الفاعلة لا تعني إجبار المسن على العمل أو النشاط، وإنما تعني توفير شروط الاختيار: أن يشارك إذا أراد، ويتعلم إذا أراد، ويتطوع إذا أراد، ويستريح إذا أراد، ويظل في الأسرة أو يختار نمطا آخر للسكن، دون أن تكون الشيخوخة نفسها سببا في فقدان الحقوق.
وهذا يقود إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الأجيال. فبدلا من تصور الشباب والمسنين كفئتين متعارضتين على الموارد، ينبغي بناء عقد اجتماعي بين الأجيال يعيد توزيع المسؤوليات والمنافع والمكانة. فالشباب يحتاج إلى خبرة المسنين، والمسنون يحتاجون إلى طاقة الشباب؛ الأول يمتلك سرعة الوصول إلى التكنولوجيا، والثاني يمتلك الذاكرة والخبرة؛ الأول يحتاج إلى المعنى، والثاني يحتاج إلى الاستمرارية. والمجتمع الذي يفصل الأجيال عن بعضها يخسر إمكانات التفاعل بين الخبرة والتجديد.
وفي هذا السياق، تصبح الرقمنة اختبارا جديدا للاندماج. فالمغرب الذي يتجه نحو رقمنة الخدمات العمومية والصحية والاجتماعية يحتاج إلى ألا تتحول الرقمنة إلى إقصاء رقمي للمسن. فالتحول الرقمي قد يسهل الوصول إلى الخدمات، لكنه قد يحول أيضا المواطن الذي لا يمتلك الكفايات الرقمية إلى شخص تابع للآخرين. ومن ثم ينبغي أن يصبح “الحق في المساعدة الرقمية” جزءا من سياسة الشيخوخة، لا باعتبار المسن عاجزا، وإنما باعتبار التكنولوجيا نفسها فضاء اجتماعيا جديدا يحتاج الجميع إلى اكتساب مفاتيحه.
إن أعمق ما تكشفه قضية المسن هو أن المجتمع لا يختبر أخلاقه في الطريقة التي يتعامل بها مع الأقوياء، وإنما في الطريقة التي يعامل بها من تتراجع قدرته على المنافسة. ولذلك فإن السؤال عن المسن هو، في النهاية، سؤال عن المجتمع نفسه: هل الإنسان قيمة في ذاته أم قيمة بقدر ما ينتج؟ هل الأسرة فضاء للتضامن أم مجرد وحدة للسكن والاستهلاك؟ هل الدولة تحمي فقط من المخاطر أم تصنع شروط المشاركة؟ هل المجتمع المدني يقدم المساعدة أم يبني المواطنة؟ وهل الأحزاب تنظر إلى المسنين باعتبارهم مواطنين أم مجرد ناخبين؟ وهل الثقافة الاجتماعية تستطيع أن تتجاوز صورة الشيخ الحكيم من جهة وصورة الشيخ العاجز من جهة أخرى، نحو صورة ثالثة ترى فيه إنسانا تتغير حاجاته ولكن لا تتغير كرامته؟
إن التحدي المقبل لن يكون فقط في ارتفاع عدد المسنين، وإنما في الطريقة التي سيُعاد بها تعريف معنى الشيخوخة في المغرب. فالمندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن الشيخوخة أصبحت تحولا بنيويا يستدعي تكييف السياسات العمومية في الصحة والسكن والحماية الاجتماعية والمشاركة والخدمات، وليس مجرد تدبير لفئة محدودة. ولذلك فإن الاستشراف الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: كم سيكون عدد المسنين مستقبلا؟ بل بالسؤال: أي مجتمع سيكون هذا العدد من المسنين جزءا منه؟

فإذا ظل المسن محصورا في سردية المرض والحاجة والرعاية، فإن ارتفاع أعداد المسنين سيُترجم اجتماعيا إلى ارتفاع في “تكلفة الشيخوخة”. أما إذا أعيد بناء مكانته باعتباره مواطنا وفاعلا وصاحب خبرة وذاكرة ورأسمال اجتماعيا وثقافيا، فإن الشيخوخة يمكن أن تتحول من “مشكلة اجتماعية” إلى مرحلة اجتماعية جديدة من دورة الحياة. وهنا تحديدا تنتقل القضية من تدبير المسن إلى تدبير المجتمع لعلاقته بالزمن.

إن الاحتفال باليوم العالمي للمسن، إذن، ينبغي ألا يكون احتفاء بالمسن لأنه “ضعيف”، ولا مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الشفقة، بل فرصة لإعادة طرح سؤال الاعتراف: ماذا نعطي لمن أعطى؟ والأعمق من ذلك: هل نريد مجتمعا يخاف فيه الإنسان من بلوغ الشيخوخة، أم مجتمعا يستطيع فيه الإنسان أن يكبر دون أن يخاف من أن يصبح غير مرئي؟

فالرهان الحقيقي ليس فقط أن يعيش المسن سنوات أطول، وإنما أن يعيشها بكرامة، واستقلالية، واعتراف، ومشاركة، ومعنى. وعندما يصبح ذلك جزءا من الثقافة والسياسة والاقتصاد والأسرة والمدينة والمؤسسة، فإن المجتمع لا يكون قد أحسن معاملة مسنيه فحسب؛ بل يكون قد أعاد تعريف الإنسان نفسه باعتباره قيمة لا تنتهي بانتهاء قدرته على الإنتاج.

Related Articles

Back to top button