فن وثقافة

حين يصبح المال بوابة إلى المعرفة : تسليع التعليم العالي وإعادة إنتاج اللامساواة

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

لم يعد القرار المتعلق بفرض رسوم مرتفعة على الدراسة في نظام التوقيت الميسر، وخاصة في سلك الدكتوراه، مجرد إجراء تنظيمي يروم تدبير الموارد المالية للجامعة أو تنظيم ولوج الموظفين إلى الدراسات العليا، بل أصبح مؤشرا على تحول عميق في فلسفة التعليم العالي بالمغرب، وانتقاله التدريجي من منطق الحق في المعرفة إلى منطق السوق التعليمية. فهذا القرار، الذي يحدد رسوما سنوية مرتفعة لمتابعة الدراسة في مختلف الأسلاك الجامعية، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي تعرفها الدولة الحديثة تحت تأثير السياسات النيوليبرالية، حيث لم تعد الجامعة تنظر إليها باعتبارها مؤسسة عمومية لإنتاج المعرفة وصناعة النخب العلمية، بل باعتبارها مؤسسة مطالبة بإنتاج مواردها المالية وتسويق خدماتها التعليمية.

إن أخطر ما يكشف عنه هذا التحول أنه لا يمس الجانب المالي فحسب، وإنما يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فالتعليم، الذي ظل لعقود طويلة يمثل أحد أهم الحقوق الاجتماعية ووسائل الحراك الطبقي والعدالة الاجتماعية، أصبح يخضع تدريجيا لمنطق التبادل التجاري، حيث يغدو الولوج إلى المعرفة رهينا بالقدرة على الأداء أكثر مما هو رهين بالاستحقاق العلمي والكفاءة الفكرية. وهنا تتجلى إحدى أبرز مفارقات الجامعة المعاصرة؛ إذ بينما يفترض أن تكون فضاء لاكتشاف الهامات العلمية وصقل الكفاءات، تتحول شيئا فشيئا إلى فضاء يختبر القدرة المالية للأفراد قبل أن يختبر قدرتهم العلمية.

لقد بين بيير بورديو أن المدرسة والجامعة لا تعملان فقط على نقل المعرفة، وإنما تمارسان وظيفة خفية تتمثل في إعادة إنتاج البنية الطبقية للمجتمع. غير أن ما كان يتم سابقا عبر آليات ثقافية ورمزية، أصبح اليوم يتم بصورة أكثر مباشرة عبر الرأسمال الاقتصادي. فحين تصبح الدراسة في سلك الدكتوراه مرتبطة برسوم مرتفعة، فإن الرأسمال المالي يتحول إلى شرط أولي لإنتاج الرأسمال الثقافي، ويصبح المال بوابة للمعرفة، بدل أن تكون المعرفة وسيلة لتجاوز الفوارق الاقتصادية والاجتماعية.

وهكذا، لا يعود الإقصاء قائما على ضعف الكفاءة، بل على محدودية الإمكانات المادية، وهو ما يشكل أحد أخطر أشكال العنف الرمزي الذي لا يمنع الأفراد قانونيا من التعليم، لكنه يضع أمامهم عوائق اقتصادية تجعل الحق في المعرفة امتيازا طبقيا أكثر منه حقا اجتماعيا.

ويزداد هذا التحول وضوحا إذا استحضرنا تحليلات كارل بولاني، الذي أكد أن توسع منطق السوق لا يتوقف عند الاقتصاد، بل يمتد ليعيد تشكيل كل المؤسسات الاجتماعية وفق مقتضيات الربح والمردودية. فالجامعة، التي كانت تاريخيا فضاء مستقلا نسبيا عن منطق السوق، أصبحت اليوم تخضع للعقلانية الاقتصادية ذاتها التي تحكم المقاولة، فأصبح الطالب زبونا، والشهادة منتجا، والبحث العلمي خدمة تؤدى مقابلها رسوم، بدل أن يكون استثمارا وطنيا في إنتاج المعرفة. وبهذا تنتقل الجامعة من إنتاج المعرفة إلى إنتاج “السوق المعرفية”، حيث تتحول القيمة العلمية إلى قيمة تبادلية، ويصبح السؤال المركزي ليس: ما الذي يستطيع الباحث أن يضيفه إلى المعرفة؟، بل: ما الذي يستطيع أن يدفعه مقابل الحصول عليها؟
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا التحول في ضوء تصور يورغن هابرماس حول “استعمار العالم المعيش”، حيث تهيمن العقلانية الأداتية والاقتصادية على المجالات التي كان يفترض أن تؤطرها قيم العقل النقدي والمصلحة العامة.

فالجامعة لم تعد تدار بوصفها فضاء لإنتاج الفكر الحر، وإنما بوصفها مؤسسة مطالبة بتحقيق التوازنات المالية، وهو ما يجعل الاعتبارات المحاسباتية تتقدم على الاعتبارات العلمية، ويجعل الاستثمار في المعرفة يخضع لمعادلات الربح والخسارة بدل اعتبارات التنمية البشرية والتقدم الحضاري.

ولا تقف آثار هذا التحول عند حدود الفرد، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله. فكل باحث يقصى بسبب عجزه عن تحمل الكلفة المالية، لا يمثل خسارة شخصية فحسب، بل يمثل خسارة وطنية. فالدول لا تتقدم بعدد الرسوم التي تفرضها على الباحثين، وإنما بعدد العقول التي تستطيع استقطابها ورعايتها. إن الباحث ليس مستهلكا لخدمة جامعية، بل هو منتج محتمل للمعرفة، ومصدر للابتكار، وعنصر فاعل في بناء الاقتصاد القائم على المعرفة. ولذلك فإن الإنفاق على الدراسات العليا لا ينبغي النظر إليه باعتباره تكلفة، بل باعتباره استثمارا استراتيجيا طويل المدى في الرأسمال البشري.

ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى بين التجارب التي نجحت في بناء جامعات عالمية رائدة، وبين المقاربات التي تجعل التمويل يعتمد أساسا على جيب الطالب. ففي فنلندا، وألمانيا، والنرويج، والسويد، والدنمارك، لا يعامل طالب الدكتوراه باعتباره طالب خدمة، بل باعتباره شريكا في إنتاج المعرفة. وتوفر الجامعات في هذه الدول منحا، وعقودا بحثية، وتمويلات للمشاريع العلمية، وتعتبر الإنفاق على الباحث استثمارا في المستقبل الاقتصادي والعلمي للدولة. أما كوريا الجنوبية وسنغافورة، اللتان تحولتا خلال عقود قليلة إلى قوتين علميتين، فلم يتحقق ذلك عبر رفع تكلفة الدراسة، وإنما عبر الاستثمار المكثف في الجامعات، وربط البحث العلمي بالابتكار، وتشجيع الباحثين، واستقطاب الكفاءات، وإزالة العوائق الاقتصادية التي قد تحول دون انخراطهم في الإنتاج العلمي.

وفي المقابل، يلاحظ أن جزءا من الخطاب المرافق لهذا القرار يسعى إلى تبرير الرسوم بكون المستفيدين منها هم موظفون يسعون إلى تحسين وضعهم المهني أو الحصول على ترقية إدارية. غير أن هذا الطرح ينطوي على اختزال شديد لوظيفة الجامعة ولأدوار التعلم مدى الحياة. فالموظف الذي يعود إلى الجامعة لا يفعل ذلك دائما من أجل ترقية مهنية، بل قد يكون مدفوعا بالرغبة في تطوير كفاءاته، أو إنجاز أبحاث ترتبط مباشرة بمجال عمله، أو الإسهام في إنتاج معرفة تطبيقية تستفيد منها المؤسسات العمومية نفسها. وفي مختلف الجامعات الرائدة، ينظر إلى المهنيين والموظفين باعتبارهم خزانا مهما للخبرة الميدانية، ويشكل حضورهم داخل مختبرات البحث قيمة مضافة، لا عبئا ينبغي الحد منه عبر الحواجز المالية.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في كون طالب الدكتوراه موظفا أو غير موظف، وإنما في جودة منظومة الانتقاء والتكوين والتأطير والتقييم. فإذا كانت هناك ممارسات غير سليمة أو توظيف للشهادات في مسارات الترقية الإدارية دون قيمة علمية حقيقية، فإن العلاج لا يكون بتحويل المعرفة إلى امتياز مالي، وإنما بإصلاح حكامة الجامعة، وتشديد معايير القبول، وتعزيز النزاهة الأكاديمية، وربط منح الشهادات بجودة البحث وأصالته، لا بالقدرة على الأداء.

لقد أصبحت المعرفة اليوم أهم مورد استراتيجي في العالم، بل إن الثروة الحقيقية للدول لم تعد تقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية، وإنما بما تنتجه من معرفة وابتكار. ويؤكد مانويل كاستلز أن الاقتصاد المعاصر هو اقتصاد شبكات ومعرفة، حيث أصبحت الجامعات ومراكز البحث القلب النابض للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن أي سياسة تضع حواجز مالية أمام الباحثين، إنما تعيق تراكم الرأسمال المعرفي الذي يمثل أساس القوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: كيف نجعل الباحث يؤدي أكثر؟، وإنما: كيف نجعل المجتمع يستفيد أكثر من الباحث؟ فالفارق بين الدول التي تقود العالم علميا وتلك التي تستهلك إنتاج الآخرين، هو أن الأولى تستثمر في الإنسان قبل أن تطلب منه العائد، بينما الثانية تنتظر من الباحث أن يمول تعليمه بنفسه، ثم تستغرب لاحقا ضعف الإنتاج العلمي، وهجرة الكفاءات، وتراجع الجامعات في التصنيفات الدولية.

إن الجامعة ليست مقاولة تجارية، والباحث ليس زبونا، والمعرفة ليست سلعة تعرض في السوق لمن يملك القدرة على الدفع. فالجامعة، في جوهرها، عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، ومؤسسة لإنتاج العقل النقدي، وحاضنة للابتكار، وفضاء لتحقيق العدالة المعرفية. وحين تصبح القدرة على الدفع شرطا غير معلن للولوج إلى المعرفة، فإن المجتمع لا يغلق أبواب الجامعة في وجه بعض الباحثين فقط، بل يغلق أبواب مستقبله العلمي، ويعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية داخل المجال الذي كان يفترض أن يكون أكثر المجالات قدرة على تجاوزها.

إن الأمم التي صنعت نهضتها لم تجعل المال مفتاحا للمعرفة، بل جعلت المعرفة هي الطريق إلى إنتاج الثروة. أما حين يصبح المال هو الطريق إلى المعرفة، فإن المجتمع يكون قد قلب معادلة التنمية رأسا على عقب، وحول الجامعة من مصنع للعقول إلى سوق للشهادات، ومن فضاء للجدارة والاستحقاق إلى فضاء تتحدد فيه الفرص بميزان القدرة المالية أكثر مما تتحدد بميزان الكفاءة العلمية. وفي تلك اللحظة، لا نخسر باحثا واحدا أو طالب دكتوراه فحسب، بل نخسر إمكانات مجتمع بأكمله، ونفرط في أهم رأسمال يمكن أن تمتلكه الأمم: الإنسان العارف القادر على إنتاج المعرفة، لا على شرائها.

Related Articles

Back to top button