فن وثقافة

من حماية اللاعب إلى حماية المنظومة

بقلم: سيدي محمد العايدي الإدريسي
متخصص في السياسات الاستراتيجية

لم تعد كرة القدم الحديثة مجرد منافسة رياضية، ولم يعد كأس العالم مجرد بطولة دولية، بل أصبح إحدى أكبر منظومات الأعمال في العالم، تتقاطع فيها الرياضة مع المال، والقانون، والإعلام، والتكنولوجيا، وحقوق البث، وشركات التأمين، والرعاية التجارية، والنقل الجوي، والاستثمار.

وفي قلب هذه المنظومة يقف اللاعب.

فالقيمة السوقية للاعب لم تعد مجرد رقم في سوق الانتقالات، بل أصبحت تعكس شبكة واسعة من الالتزامات والاستثمارات التي تمتد بين المنتخب الوطني، والنادي، والرعاة، والمؤسسات الرياضية المختلفة. وأصبح اللاعب يمثل رأس مال بشريًا ورياضيًا تقوم عليه مصالح متعددة، تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

وهنا يبرز سؤال يستحق النقاش:

إذا كانت القيمة السوقية للاعب أصبحت عنصرًا محوريًا في كرة القدم الحديثة، فهل واكبت المنظومة القانونية هذا التحول؟

وهل أصبحت القوانين الحالية توفر الحماية التي تتناسب مع المكانة الجديدة التي يحتلها اللاعب داخل هذه المنظومة، أم أنها ما زالت تعالج الوقائع بمنطق مرحلة كانت فيها كرة القدم أقل تعقيدًا من الناحية المالية والمؤسساتية؟

كما يفرض تطور اللعبة سؤالًا آخر: هل يكفي تقييم كل تدخل أو كل بطاقة تأديبية بصورة منفصلة، بينما قد يكون للأثر التراكمي لهذه القرارات انعكاس مباشر على سلامة اللاعبين، وعلى الخيارات التكتيكية للمدربين، وعلى توازن المنافسة في الأدوار الحاسمة؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يهدف إلى التشكيك في نزاهة المنافسات، وإنما يعكس الحاجة إلى مواكبة قانونية لمنظومة تغيرت طبيعتها بصورة عميقة.

فكلما تطورت المنظومة المالية للأعمال في كرة القدم، أصبح من الطبيعي أن تتطور، بالوتيرة نفسها، المنظومة القانونية التي تنظمها.

فحماية اللاعب لم تعد غاية مستقلة، بل أصبحت مدخلًا لحماية المنظومة بأكملها.

وربما يكون هذا أحد أهم التحديات التي ستواجه كرة القدم العالمية في السنوات المقبلة: ليس فقط تطوير الأداء أو التكنولوجيا، بل تطوير القواعد القانونية بما ينسجم مع التحولات التي جعلت من كرة القدم صناعة عالمية، ومن اللاعب أحد أهم أصولها الاستراتيجية.

Related Articles

Back to top button