فن وثقافة

العناية ببيوت الله في زمن التحولات المناخية : من قداسة المكان إلى حق المصلين في الراحة

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

لم تعد مسألة العناية بالمساجد في المجتمعات المعاصرة مقتصرة على صيانة الجدران، أو المحافظة على الطابع المعماري والجمالي لبيوت الله، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بجودة شروط الاستقبال والراحة والرفاه التي توفرها هذه الفضاءات لمرتاديها. فمع الارتفاع المتزايد لدرجات الحرارة الذي تشهده المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة، بفعل التحولات المناخية العالمية وما يصاحبها من موجات حر غير مسبوقة، باتت العديد من المساجد تواجه تحديا جديدا يتمثل في قدرتها على ضمان شروط الراحة الجسدية والنفسية للمصلين أثناء أداء الشعائر الدينية.

إن المقاربة التقليدية للعناية بالمساجد ظلت لفترات طويلة تختزل الاهتمام في البناء والتوسعة والتزيين والتجهيزات الأساسية، بينما أصبحت الحاجة اليوم تفرض الانتقال نحو تصور أكثر شمولية يدمج البعد الإنساني والصحي والبيئي ضمن وظائف المسجد. فالمصلي لا يلج المسجد باعتباره مجرد فضاء لأداء الصلاة، بل باعتباره مجالا روحيا يفترض أن يحقق السكينة والطمأنينة والخشوع. غير أن ارتفاع درجات الحرارة داخل عدد كبير من المساجد غير المجهزة بأنظمة التكييف يجعل تجربة التدين ذاتها محاطة بأشكال متعددة من الإزعاج الجسدي والنفسي، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة في جودة الممارسة الدينية.

من منظور سوسيولوجي، يمكن الاستناد إلى تصور عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم الذي اعتبر أن الدين يشكل أحد أهم الآليات المنتجة للتماسك الاجتماعي، وأن الطقوس الجماعية تكتسب فعاليتها من قدرتها على خلق حالة من الاندماج والانسجام بين الأفراد داخل فضاء رمزي مشترك. غير أن هذا الاندماج لا يتحقق فقط عبر الرموز والمعتقدات، بل يحتاج كذلك إلى شروط مادية تسمح للأفراد بالانخراط في الطقس الديني بصورة مريحة. فعندما يصبح الحر الشديد مصدرا للتوتر والانزعاج، وعندما يتحول التركيز من العبادة إلى محاولة مقاومة الإرهاق الجسدي، فإن الوظيفة الاندماجية للفضاء الديني تتعرض بدورها للاهتزاز.

كما تسمح أعمال إرفينغ غوفمان بفهم المسجد باعتباره فضاء للتفاعل الاجتماعي يخضع لقواعد دقيقة في تقديم الذات وإدارة الانطباعات. فالمصلون يسعون عادة إلى الظهور بمظهر النظافة والوقار والاحترام داخل المسجد، غير أن الحرارة المفرطة وما يرافقها من تعرق شديد وروائح غير مرغوب فيها قد تضع الأفراد في وضعيات حرجة اجتماعيا، وتولد لديهم شعورا بالانزعاج أو الحرج أو الرغبة في تجنب الاحتكاك بالآخرين. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمشكلة تقنية مرتبطة بدرجة الحرارة، بل بمسألة تؤثر في أنماط التفاعل الاجتماعي داخل الفضاء الديني نفسه.
أما من منظور بيير بورديو، فإن المؤسسات لا تعبر فقط عن وظائفها الرسمية، بل أيضا عن حجم الرأسمال الرمزي الذي تستثمره في علاقتها بالمواطنين. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى المسجد باعتباره مؤسسة عمومية ذات قيمة رمزية عالية داخل المجتمع المغربي. لذلك فإن الاستثمار في جودة فضائه الداخلي وتجهيزاته لا يمثل ترفا أو إنفاقا ثانويا، بل يشكل استثمارا في الرأسمال الرمزي للدين نفسه وفي صورة المؤسسة الدينية لدى المواطنين.

وتزداد أهمية هذا النقاش عندما نستحضر التحولات التي عرفتها علاقة الأفراد بالمؤسسات العمومية عموما. فقد أصبح المواطن المعاصر أكثر حساسية تجاه جودة الخدمات وظروف الاستقبال والراحة. وإذا كانت المدارس والإدارات والمستشفيات والقاعات العمومية تعرف توسعا متزايدا في استخدام أنظمة التكييف والتبريد باعتبارها جزءا من معايير الجودة، فإن التساؤل يصبح مشروعا حول موقع المسجد ضمن هذه الدينامية. فالمسجد يعد من أكثر المؤسسات العمومية ارتيادا بشكل يومي، حيث يستقبل فئات عمرية متنوعة، من أطفال وشباب وكبار السن ومرضى وأشخاص يعانون من هشاشة صحية تجعلهم أكثر تأثرا بارتفاع درجات الحرارة.

ولا يمكن فصل هذه الإشكالية عن مفهوم العدالة المجالية والدينية. فالملاحظ أن بعض المساجد الحديثة أو الموجودة في أحياء ميسورة تتوفر على تجهيزات متطورة تضمن راحة المصلين، بينما تظل مساجد أخرى، خصوصا في بعض الأحياء الشعبية أو المناطق القروية، محرومة من أبسط شروط التكييف والتهوية الجيدة. وهو ما يطرح سؤالا حول التفاوت في شروط ممارسة الحق في العبادة داخل المجال الديني نفسه.

ومن جهة أخرى، فإن غياب التكييف لا ينعكس فقط على راحة المصلين، بل يطرح كذلك تحديات مرتبطة بالصحة العامة والنظافة. فارتفاع درجات الحرارة داخل فضاءات مكتظة يؤدي إلى زيادة معدلات التعرق، وما يرافق ذلك من تسرب السوائل إلى السجاد، وتراكم الروائح، وارتفاع احتمالات انتشار بعض الجراثيم والميكروبات في حال غياب شروط التهوية المناسبة. وهنا تصبح العناية بالمسجد جزءا من السياسات الوقائية المرتبطة بالصحة الجماعية، وليس مجرد مسألة تجميلية أو رفاهية.

إن المقاربة النقدية لهذا الموضوع لا تستهدف التقليل من الجهود الكبيرة المبذولة في بناء المساجد وصيانتها وتأطير الشأن الديني بالمغرب، وإنما تدعو إلى إعادة تعريف مفهوم العناية ببيوت الله في ضوء التحولات المجتمعية والبيئية الراهنة.

فالعناية الحقيقية بالمسجد لا تقاس فقط بعدد المساجد المشيدة أو بجمالية هندستها المعمارية، بل أيضا بمدى قدرتها على توفير بيئة مريحة وآمنة وصحية تسمح للمصلين بأداء عبادتهم في ظروف تحفظ كرامتهم الجسدية والنفسية.
لقد أفرزت التغيرات المناخية واقعا جديدا يفرض مراجعة الكثير من التصورات التقليدية المتعلقة بالبنيات العمومية، والمسجد ليس استثناء من ذلك. فكما أصبحت المياه الصالحة للشرب والإنارة والنظافة عناصر أساسية في تجهيز المساجد، فإن أنظمة التكييف والتهوية الحديثة تتجه اليوم لتصبح جزءا من الحد الأدنى الضروري لضمان جودة الفضاء الديني. ومن ثم فإن السؤال لم يعد يتعلق بما إذا كان التكييف ترفا أم ضرورة، بل بكيفية إدماجه ضمن رؤية مؤسساتية تجعل من المسجد فضاء يجمع بين القداسة والراحة، وبين الوظيفة الروحية ومتطلبات الكرامة الإنسانية في سياق مناخي متغير.

إن سوسيولوجيا العناية ببيوت الله تكشف أن الاهتمام بالمسجد ليس اهتماما بالحجر فقط، بل بالإنسان الذي يرتاده. فكلما تحسنت شروط استقبال المصلين، وتعززت مقومات الراحة والسكينة داخل الفضاء الديني، ازدادت قدرة المسجد على أداء وظائفه التعبدية والتربوية والاجتماعية. أما تجاهل هذه التحولات والاكتفاء بالمقاربات التقليدية، فقد يؤدي تدريجيا إلى اتساع الفجوة بين المؤسسة الدينية وانتظارات المرتادين، خصوصا في مجتمع تتزايد فيه معايير الجودة والرفاه والحق في بيئات عمومية لائقة تحفظ كرامة الإنسان وتساعده على ممارسة شعائره في أفضل الظروف الممكنة.

Related Articles

Back to top button