ما السر وراء ارتفاع تكلفة ” الحصّادة” بالعالم القروي ؟


حسن الحماوي
يشهد العالم القروي المغربي خلال الموسم الفلاحي الجاري تحولا لافتا في سوق الشغل الزراعي، بعدما سجلت أجور عمال الحصاد، المعروفة محليا بـ”الحصادة”، ارتفاعا غير مسبوق وصل في بعض المناطق، خاصة بإقليم الحسيمة، إلى نحو 500 درهم لليوم الواحد. ويشكل هذا الرقم قفزة كبيرة مقارنة بالسنوات الماضية، حيث كانت الأجور تتراوح بين 150 و200 درهم يوميا فقط.
ورغم أن هذا الارتفاع قد يبدو إيجابيا بالنسبة للعمال الموسميين، فإنه يكشف في العمق عن تحولات اجتماعية وديموغرافية متسارعة يعرفها الوسط القروي المغربي، أبرزها تراجع اليد العاملة الفلاحية وارتفاع الطلب عليها خلال فترات الحصاد.
ومن بين أهم الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة، استمرار نزيف الهجرة القروية نحو المدن، حيث يفضل العديد من الشباب مغادرة القرى بحثا عن فرص عمل أكثر استقرارا في قطاعات البناء والخدمات والتجارة. وقد أدى هذا التحول إلى تقلص عدد العمال المتوفرين للقيام بالأعمال الزراعية الموسمية، ما جعل الفلاحين يدخلون في منافسة متزايدة لاستقطاب اليد العاملة المتبقية.
كما ساهمت الهجرة الخارجية في تعميق هذا النقص، إذ أصبح عدد من شباب المناطق القروية يتجهون نحو الهجرة إلى الخارج، خاصة نحو أوروبا، بحثا عن ظروف معيشية أفضل، وهو ما أدى إلى انخفاض العرض في سوق الشغل الفلاحي المحلي.
ولا يمكن فصل هذه الزيادات عن التحولات التي عرفتها كلفة المعيشة خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت أسعار المواد الأساسية والنقل والخدمات بشكل ملحوظ، الأمر الذي دفع العمال إلى المطالبة بأجور أعلى تتناسب مع متطلبات الحياة اليومية. وأصبح كثير من العمال يرفضون الاشتغال بالأجور التقليدية التي كانت سائدة في السابق، معتبرين أنها لم تعد تلبي احتياجاتهم الأساسية.
من جهة أخرى، ساهم تحسن مستوى التعليم في الأوساط القروية في تغيير نظرة الأجيال الجديدة إلى العمل الفلاحي الموسمي. فعدد متزايد من الشباب أصبح يفضل متابعة الدراسة أو البحث عن وظائف أخرى بدلا من الانخراط في أعمال الحصاد الشاقة التي تتطلب مجهودا بدنيا كبيرا تحت أشعة الشمس ولساعات طويلة.
ويرى متابعون أن ارتفاع أجور الحصاد يعكس أيضا اختلالا بين العرض والطلب، إذ يتزامن موسم الحصاد مع فترة زمنية قصيرة تتطلب تعبئة عدد كبير من العمال في وقت محدود. ومع ندرة اليد العاملة، يصبح رفع الأجور الوسيلة الوحيدة لضمان إنجاز عملية الحصاد في الوقت المناسب وتجنب خسائر المحاصيل.
ورغم استفادة العمال من هذه الزيادة، فإن العديد من الفلاحين يعبرون عن تخوفهم من انعكاس ارتفاع تكاليف اليد العاملة على مردودية النشاط الفلاحي، خاصة بالنسبة لصغار الفلاحين الذين يواجهون أصلا ارتفاعا في تكاليف الإنتاج المرتبطة بالبذور والأسمدة والمحروقات.
وتعكس ظاهرة ارتفاع أجور “الحصادة” تحولا عميقا في بنية المجتمع القروي المغربي، حيث لم تعد اليد العاملة الفلاحية متوفرة بالوفرة نفسها التي كانت عليها في السابق. وبينما يرى البعض في هذه الزيادات تصحيحا لوضع اجتماعي طالما اتسم بضعف الأجور، يعتبرها آخرون مؤشرا على أزمة متنامية في توفير اليد العاملة الزراعية، وهو ما يفرض التفكير في حلول جديدة لضمان استدامة النشاط الفلاحي وتحسين ظروف العمل في العالم القروي.



