عبد الهادي بلخياط… حضور لا يغيب

شهادة ووفاء بقلم :
سيدي محمد العايدي الإدريسي

قامة من زمن الصفاء
أفي مرجكم تولد البسمات؟
افي ليلكم قمر احمر؟

برحيل عبد الهادي بلخياط، تفقد الأغنية المغربية أحد أصواتها التي لم تكن عابرة، بل رافقت وجدان أجيال داخل المغرب وخارجه. مسار فني طويل اتسم بالصدق والرقي، جعله من بين الذين أسهموا في صناعة زمن الأغنية المغربية الجميلة، زمن الكلمة العميقة واللحن الأصيل.

وكانت أغنية «القمر الأحمر» واحدة من العلامات الفارقة في مساره، عملًا خلد اسمه في الذاكرة الفنية المغربية، وجسّد تلاقي الصوت الصادق بالكلمة الرفيعة واللحن العميق. ورغم توقفه عن الغناء في محطة من حياته، واختياره الابتعاد عن الأضواء، ظلت أغانيه حاضرة بقوة، تؤكد أن الفن الصادق لا يُعتزل، وأن الأثر الحقيقي لا تصنعه كثرة الظهور، بل عمق ما يُقدَّم للناس.

إلى جانب المسار الفني، كان الحاج عبد الهادي إنسانًا قريبًا من الناس، وهو ما لمسته عن قرب خلال عملي بالجمارك بمطار محمد الخامس، كما عرفتُ حرمته الحاجة السعدية. كان مثالًا في التواضع، ومحبة الخير، وحسن المعاملة.

كنا نلتقي بمقهى القرطبي قرب الإذاعة والتلفزة الوطنية بزنقة البريهي بالرباط، رفقة سي محمد الموذن وأحمد الزايدي، المذيعين المرحومين ذوي الصيت الكبير في التلفزيون وفي تغطية الأنشطة الملكية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، إلى جانب عبد المغيث القرطبي، صاحب المقهى. كانت جلسات يسودها الضحك، وحسن الطوية، وصدق المعشر.

وفي مرات عديدة، كانت تجمعنا أيضًا جلسات مع صديقنا المشترك عبد الملك الشرايبي، الإطار السابق بالخطوط الملكية المغربية. كما لا أنسى مناسبات أخرى، آخرها بلندن منذ أزيد من ثلاثين سنة، جلسات الحاج عبد الهادي حينما يطاوعه العود للخوض في النهر الخالد لمحمد الوهاب، أو حينما يُطرب بمحرم فؤاد وآخرين، وكذلك صديقه وليد توفيق الذي كانت تجمعه به محبة خاصة.

هكذا كان عبد الهادي بلخياط: إنسانًا حاضرًا بصوته وبأخلاقه. ومن منا لا تطربه أغانيه الخالدة، مأنسًا في البيوت، وفي كل مكان فيه الفرحة؟ حبّ المغاربة له كان ولا يزال حبًا خاصًا، وحتى وهو معتزل، بقي صوته رفيق الطريق، وفي هذه اللحظة بالذات، كم من واحد يصاحبه في سيارته ويستمتع بذلك الصوت الدافئ الشجي.

ولم يكن حضوره فنيًا فقط، بل كان وطنيًا أيضًا. فقد ظل الحاج عبد الهادي بلخياط، مثل كثير من الفنانين المغاربة، سبّاقًا إلى الملاحم الوطنية، وفي مقدمتها قضيتنا الأولى، الوحدة الترابية. وتبقى أغنيته الخالدة:

«يا عيد… الصحراء يا عيد
راه غزالكً اليوم سعيد»

من كلمات المرحوم علي صقلي، وألحان الموسيقار المرحوم عبد القادر الراشدي، شاهدًا فنيًا صادقًا على التزامه وحبه لوطنه وملكه. عايش المرحوم الملك الحسن الثاني رحمه الله، وعايش أيضًا جلالة الملك محمد السادس شفاه الله وأعزّ أمره.

بهذا الزخم الإنساني والفني والوطني، يترك عبد الهادي بلخياط أثرًا لا يُقاس بالسنين، بل بما زرعه في القلوب، وبما سيحمله الأبناء والأحفاد من ذاكرة أمة كتبت تاريخها بتلاحم العرش والشعب، وبمداد من الفخر والاعتزاز.