سلا- متابعة
لم ينتبه المتتبع المغربي والعربي إلى الأدوار السياسية والجيوسياسية التي يمكن أن تقوم بها الثورة العلمية الراهنة التي اصطلح عليها بالثورة الرقمية، إلى أن اندلعت أحداث 2011، بكل نتائجها الميدانية، ليكتشف ويعاين عملياً بعض هذه الأدوار، ويزداد يقيناً بأن الفضاء الرقمي وانشغالاته أو قضاياه، لا تقتصر على المجال الافتراضي وحسب، وإنما تمتد إلى الواقع الميداني.
نقول هذا بصرف النظر عن الأسباب المركبة والمتعددة التي أفضت إلى اندلاع تلك الأحداث، لكن في الشق الخاص بالثورة الرقمية، تأكد الجميع أنها كانت عاملاً مؤثرا أو فاعلاً في مسار العديد من الأحداث، موازاة مع الأدوار التي قامت بها المنابر الإعلامية الفضائية وشاشات الهواتف الذكية.
من النتائج المباشرة لهذه التطورات التقنية ومعها المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، أننا في الحالة المغربية، سوف نعاين منذ عقد تقريباً، بزوغ ما قد نصطلح عليه بالمعارضة الرقمية، ويُقصد بها على الخصوص، خطاب المعارضة الذي تعج به مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة موقع “فيسبوك” (مقابل موقع إكس” ــ “تويتر” سابقافي المشرق)، بصرف النظر أيضاً عن الفاعلين الذين يقفون وراء خطاب المعارضة هذا، سواء تعلق الأمر بنشطاء في المجال الحقوقي، أو فاعلين سياسيين، أو تيارات إيديولوجية، أو “مؤثرين” يحظون بمتابعة عشرات أو مئات الآلاف من المتابعين.
بل وصل الأمر مع هذا النمط الجديد من فعل المعارضة، إلى أن بعض الحملات النقدية ضد المسؤولين، في حقل ما، حظيت بتفاعل أو تدخل صناع القرار، مع أن أصل أو مصدر اندلاع المعارضة هذه المرة، لم يكن في المؤسسات التشريعية أو الهيئات الحزبية، أو النقابات العمالية، أو منظمات المجتمع المدني، وإنما كان في الوسائط الرقمية، الافتراضية، والتي كانت تتعامل معها أغلب النخب السياسية والاقتصادية والفكرية والدينية وغيرها، على الأقل حتى منعطف 2011، بأن حدود خطابها وتفاعل الرأي العام معه، لا يتجاوز العالم الافتراضي.
من الصعب إحصاء عدد الأمثلة التي ترجمت عمليا تفاعل صناع القرار مع هذا النمط الجديد من المعارضة، كما جرى في عدة وقائع، أكدت أن كرة الثلج النقدية التي تتجول بداية في مواقع التواصل الاجتماعي قد تصبح كرة ثلج حقيقية في العالم المادي، وتفضي إلى تغيرات كبيرة على مستوى المشهد السياسي، وهي تغيرات قد تصبح مستقبلاً أكثر تسارعا وحدة في ظل التغيرات التكنولوجية الهائلة التي منحت المعارضة الشعبية الرقمية أدوات جديدة في مقدمتها الذكاء الاصطناعي، الذي قد يفتح المجال أما تطورات جديدة في المشهد السياسي يصعب التكهن بمآلاتها.
تأسيساً على ما سبق، تأتي هذه الندوة العلمية الرمضانية التي تنظمها مؤسسة الفقيه التطواني، بمشاركة ثلة من الباحثين والخبراء، بهدف التفكير الجماعي في موضوع المعارضة الشعبية الرقمية، على ضوء هذه المستجدات الراهنة، والمساهمة أيضا في إغناء النقاش المجتمعي حول الظاهرة التي باتت تطرح عددا كبيرا من الأسئلة، أبرزها :
ــ ما هي الأسباب التي أفضت إلى ارتفاع مؤشرات المعارضة الرقمية في المغرب، مقارنة مع باقي أنماط المعارضات الكلاسيكية، من قبيل المعارضة في المؤسسات التشريعية أو المعارضة النقابية والسياسية، أو حتى معارضة المنابر الإعلامية التقليدية؟
ــ هل يمكن حصر انعكاسات هذا النمط الجديد من المعارضة الرقمية على الحقول الاجتماعية والسياسة والاقتصادية، أم إن التبعات أو الانعكاسات، لا تقتصر على هذه الحقول وحسب؟
ــ من هؤلاء المعارضون الجدد في مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل يمكن الحديث عن سمات ما مغايرة للمعارضة التقليدية التي سادت قبل منعطف إطلاق هذه المواقع والمنصات الرقمية؟
ــ هل يصح الحديث عن فاعلين مؤثرين في أداء هذه المعارضة الرقمية، أم إن المسألة لا تحتمل الحديث عن رموز المعارضة، بقدر ما ترتبط بمستجدات غير متحكم فيها رقميا، وبالتالي صعبٌ توقع مستجداتها ومآلاتها في ظل التطورات التكنولوجية الكبيرة والامكانيات التي بات يوفرها الذكاء الاصطناعي؟
ــ هل هناك تقاطعات ما بين تمظهرات المعارضة الشعبية الرقمية وتمظهرات المعارضة التقليدية، أم إن الأمر يندرج في سياق صيغة متجددة من المعارضة، لا تعدو أن تكون حلقة جديدة في سلسلة المعارضات؟
ــ ما مصير المؤسسات الحزبية والهيئات النقابية، على ضوء هذه التطورات؟ وما الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات نفسها، في سياق التفاعل والتأثير على هذه المعارضة الرقمية، إن لم نتحدث عن استيعابها؟
ــ كيف تعاملت الأحزاب السياسية إجمالا، سواء كانت في الحكومة أو المعارضة، مع هذا النمط الجديد من المعارضة؟ وهل ثمة حضور حزبي صريح أو متواضع للأحزاب نفسها في باب المعارضة الرقمية؟
ــ هل يمكن استشراف بعض السيناريوهات المرتقبة بخصوص مآلات أو تحولات المعارضة الشعبية الرقمية في المغرب على ضوء إكراهات الساحة (نِسب الأمية، تراجع دور الإعلام التقليدي، تردي صورة الأحزاب السياسية النقابات العمالية، صعود ظاهرة المؤثرين في مواقع الاجتماعي.. إلخ)، أم إنه يصعب طرق باب الاستشراف، إذا أخذنا عِلما بندرة الاشتغال البحثي في هذا الحقل العلمي؟
ــ وأخيراً، ما هي أدوار النخب البحثية في حقول الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم السياسة والاقتصاد السياسي وباقي الحقول العلمية المعنية، في التفاعل مع ظاهرة المعارضة الشعبية الرقمية؟