استمرارية الشرعية الملكية من أجل قراءة نقدية لذكرى 11 يناير 1944

بقلم/ سيدي محمد العايدي الإدريسي
محلل سياسي

لا يعود استحضار وثيقة المطالبة بالاستقلال إلى مجرد احتفال رمزي بذكرى وطنية، بقدر ما يفتح باباً لقراءة نقدية هادئة في معنى الوثيقة ودلالتها السياسية، وفي طبيعة الشرعية التي قادت مسار الدولة المغربية في أكثر محطاتها حساسية. فالتاريخ لا يُستعاد للمزايدة، ولا لإعادة توزيع الأدوار بأثر رجعي، وإنما لاستخلاص المعنى: كيف نجح المغرب في تحويل لحظة استعمارية استثنائية إلى مسار استرجاع للسيادة ضمن منطق الاستمرارية، لا القطيعة.

إن وثيقة 11 يناير 1944، كما هي محفوظة في الأرشيف، تُقدّم نفسها منذ ديباجتها بوصفها مبادرة ذات نفس وطني جامع، لا عنواناً لاحتكار حزبي. فهي تشير صراحة إلى أنها صادرة عن «حزب الاستقلال الذي يضم أعضاء الحزب الوطني السابق وشخصيات حرة»، وهو ما ينسف منطق “الصك السياسي” ويثبت أن المبادرة شُيّدت على أرضية مشتركة شارك فيها وطنيون منتمون وغير منتمين. بهذا المعنى، فالوثيقة ليست “ملكية” سياسية لأحد، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية الجامعة، المشترك بين كل المغاربة والعرش.

ومن جهة أخرى، فالمهم في الوثيقة ليس فقط مطلب الاستقلال، بل الأساس الذي بُني عليه هذا المطلب. فهي تؤكد أن «الدولة المغربية تمتعت دائماً بحريتها وسيادتها الوطنية وحافظت على استقلالها طيلة اتنى عشر قرناً»، بما يعني أن الاستقلال لم يُطرح كإنشاء دولة جديدة، بل كاسترجاع السيادة داخل دولة قائمة بشرعية تاريخية ممتدة. كما تُبرز أن نظام الحماية — وفق منطوقه النظري — كان يفترض إدخال إصلاحات «دون أن يمس ذلك بسيادة الشعب المغربي التاريخية ونفوذ جلالة الملك». هذا التأكيد ليس تفصيلاً لغوياً، بل مفتاح قراءة: النضال من أجل الاستقلال صيغ داخل منطق الشرعية الملكية لا في مواجهتها، وداخل تصور سيادي يربط التحرر باستمرار الدولة ووحدتها.

ولأن الوثيقة ليست نصاً إنشائياً، فهي تُقدّم أيضاً تشخيصاً واضحاً لطبيعة التحول الذي أحدثه الاستعمار، حين تعتبر أن سلطات الحماية بدّلت منطقها إلى «نظام مبني على الحكم المباشر والاستبداد»، وأنه انتهى إلى احتكار الثروة والقرار عبر الجالية الفرنسية التي «احتكرت خيرات البلاد دون أصحابها»، وسعت إلى تحطيم الوحدة ومنع المشاركة الفعلية للمغاربة في تدبير شؤونهم. هذه اللغة الصارمة تؤكد أن الوثيقة لم تكن مجرد إعلان نوايا، بل وثيقة اتهام سياسي تُؤسّس لمطلب سيادي واضح.

وتُظهر الوثيقة كذلك نضجاً في قراءة السياق الدولي، حين تستند إلى مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها وتوازنات الحرب العالمية الثانية، وتستحضر أن الحلفاء «اعترفوا في وثيقة الأطلنتي بحق الشعوب في حكم نفسها بنفسها»، وأنهم أعلنوا في طهران رفض منطق استيلاء القوي على الضعيف. هذا الوعي الدولي يفسر لماذا طُرح الاستقلال كحق تاريخي وسياسي في آن واحد، لا كطلب عاطفي معزول.
غير أن ما يمنح 11 يناير قوته في الذاكرة المغربية هو أنه يثبت — بالنص والمعنى — أن الاستقلال لم يُفهم خارج الالتحام بين العرش والشعب. فالوثيقة لا تكتفي بتأكيد رمزية الملك، بل تجعلها سقفاً سيادياً للمطلب نفسه، حين تنص على المطالبة بـ «استقلال المغرب ووحدة ترابه تحت ظل صاحب الجلالة ملك البلاد المفدى». هنا تتجلى فكرة الاستمرارية: ليست شرعية ظرفية، بل شرعية تاريخية ضامنة لوحدة التراب، ولتوازن الدولة، ولقدرتها على عبور التحولات.

وفي هذا الإطار، لا يعني تثمين الشرعية الملكية التقليل من تضحيات الحركة الوطنية أو إنكار أدوار المناضلين، بل يعني وضع الأشياء في سياقها الحقيقي: النضال والشرعية التاريخية التقيا في لحظة مفصلية، لكن الاستمرارية التي حفظت الدولة ومكّنتها من تثبيت اختياراتها الكبرى ظلت مرتبطة بمركز واحد جامع. ولهذا فإن تحويل ذكرى 11 يناير إلى مناسبة للمزايدات أو لتسجيل “ملكية حزبية” على التاريخ، يُفرغ الوثيقة من روحها الأصلية التي تقوم على الاشتراك الوطني لا الاحتكار.
واليوم، في سياق مغرب معاصر يواجه تحديات التنمية والعدالة الاجتماعية والتموقع الدولي، تتأكد دلالة هذا المسار أكثر. فالشرعية الملكية انتقلت من دورها التنفيذي إلى فاعل استراتيجي في توجيه اختيارات الدولة، وترسيخ الاستقرار، وتثبيت موقع المغرب في محيط إقليمي ودولي متقلب. وهو ما يجعل معنى 11 يناير اليوم ليس فقط استحضار وثيقة، بل استحضار منطق سياسي: أن تماسك الدولة المغربية ارتكز تاريخياً على الالتحام بين العرش والشعب في مختلف المعارك إلى يومنا هذا.
ومن هنا، فإن الاحتفال بذكرى 11 يناير لا ينبغي أن يكون مناسبة للفرز الحزبي أو التنافس على الرموز، بل لحظة وطنية جامعة تهم جميع المغاربة، لأنها تجسد لحظة وعي سيادي مشترك، ولأن الوثيقة نفسها — بنصها وتوقيعاتها ومعانيها — كتبت خارج منطق الاحتكار، وداخل منطق الوحدة والاستمرارية .