فن وثقافة

حين يتحول التراث إلى لوحة فنية.

مراسلون 24 – متابعة

يواصل الفنان التشكيلي و أستاذ الفنون التشكيلية محمد بوخريص  ، ابن مدينة الرباط ، اشتغاله على التراث المغربي باعتباره مادة بصرية حية وقابلة للتجدد، من خلال عمل فني يستلهم جماليات الزليج المغربي والعمارة التقليدية والخط العربي، ويعيد صياغتها ضمن رؤية معاصرة تجمع بين الذاكرة والإبداع.

تنبني اللوحة على توازن بصري دقيق بين الهندسة والزخرفة، حيث يحتل الزليج المغربي مركز التكوين بألوانه الزرقاء والخضراء والسوداء والذهبية، في شبكة هندسية تستحضر براعة الصانع المغربي وقدرته على تحويل المادة إلى إيقاع بصري غني بالدلالات. وتمنح هذه العناصر للعمل قوة تشكيلية تجعل التراث حاضراً ليس بوصفه موضوعاً للتوثيق فقط، بل كمصدر للإبداع والتجديد. 

و يكتسب العمل عمقا إضافيا من خلال حضور الخط العربي  حاملاً الآية القرآنية الكريمة: “إن ينصركم الله فلا غالب لكم”و “فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم”و قد جاء الخط كعنصر جمالي وروحي في آن واحد، يربط بين الكلمة والزخرفة، ويعكس المكانة التي احتلها الحرف العربي في الفنون الإسلامية عبر التاريخ. فالحرف هنا لا يؤدي وظيفة كتابية فحسب، بل يتحول إلى شكل بصري يثري التكوين ويمنحه بعداً تأملياً يستحضر القيم الروحية والثقافية للحضارة المغربية.

كما تحضر الأقواس المعمارية في أسفل اللوحة بوصفها استحضاراً لذاكرة مدينة سلا العتيقة، حيث استلهم الفنان أبوابها التاريخية الشهيرة، مثل باب مريسة ،باب سبتة، باب فاس ، باب خميس ،باب بوحاجة ، باب المعلقة و باب شعفة. وتتحول هذه الأقواس إلى رموز بصرية تختزل ذاكرة المكان وتحفظ ملامحه داخل لغة تشكيلية معاصرة.

وتكشف الخلفية الهادئة ذات الملامس المتدرجة عن أثر الزمن على الذاكرة، وكأن الفنان يعيد بناء طبقات من التاريخ والحضارة فوق سطح اللوحة، في حوار مستمر بين الماضي والحاضر. وبهذا المعنى، يصبح العمل فضاءً تلتقي فيه العمارة والزليج والخط العربي لتشكيل سردية بصرية تحتفي بالهوية المغربية وتؤكد استمرارية التراث في الوجدان المعاصر.

إن هذا العمل يمثل تجربة فنية تجمع بين البعد الجمالي والتوثيقي والروحي، وتؤكد أن التراث المغربي يظل منبعاً لا ينضب للإبداع، وأن الفن قادر على تحويل الذاكرة إلى لغة بصرية نابضة بالحياة. ومن هنا يكتسب عنوان العمل، “حين يتحول التراث إلى لون”، دلالته العميقة، باعتباره تعبيراً عن قدرة الفنان على ترجمة عناصر الهوية المغربية إلى رؤية تشكيلية معاصرة تنبض بالأصالة والجمال.

Related Articles

Back to top button